مشاهدة النسخة كاملة : الباص صديق الفقراء الذي بدأ يختفي


ابو نسيبة
09-22-2010, 07:11 PM
الباص صديق الفقراء الذي بدأ يختفي

في بداية التسعينيات بدأت العاصمة نواكشوط تمد ذراعيها على شواطئ الرمال المحيطة بها، كما بدأت مشكلات التصحر والجفاف تقذف إلى تلك الشواطئ بأمواج بشرية وجدت في نواكشوط الملاذ الأخير من نار الفقر المشتعلة في أعشاب الريف.

ظواهر كثيرة ولدتها هذه الظاهرة،وإن من أبرز تلك المظاهر المصاحبة لهذه الهجرة، ظاهرة الباص أو " الكار " أو " عبد الرحمن " كما يصر بعض الموريتانيين على تسميته تيامنا، بصديق الفقراء الذي بدأ يختفي من شوارع نواكشوط

في رحلة الباص تشترك أطراف كثيرة في صناعة هذه المسيرة بدأ بالسائق الذي يربط مصيره ومصير أبنائه" بهذه الخردة المتآكلة" على حد تعبير ابراهيم ولد سيدي السائق الخمسيني، إضافة إلى المحصل أو " الانكسير" الذي يفترض فيه أن يكون جهوري الصوت وسريعا في النقر على حافة الباص إيذانا بالتوقف أو الانطلاقة،فيما يظل الركاب العنصر الأهم بالنسبة للأنكسير والسائق، أما الطرف الأكثر حضورا دائما فهم الميكانيكيون الذين يعتبرون الباصات أكثر زبائنهم اعتناء بالزيارات المتكررة.

ولعدة سنوات ظل " البيس " وسيلة النقل الأكثر شعبية في صفوف البسطاء وساكنة الأحياء الشعبية،فيما ظلت كبيرة من العاصمة نواكشوط لاتعرف وسيلة نقل غير الباص الذي نسج معه الموريتانيون قصص علاقات حميمة حسب الشاب ابراهيم ولد محمد الذي يؤكد " لقد رافقت هذه الباصات أكثر من خمسة عشر سنة منذ أن كنت طالبا في الصف الإعدادي وحتى اليوم وقد تخرجت وأصبحت موظفا، إن مقاعد الباص والزحمة التي يدفعك إليها هي أشياء حميمية جدا بالنسبة لي، لأنها تشعرني بأنني بالفعل أنتمي إلى هؤلاء الناس.

أما السيدة يم منت سالم فتؤكد " لارغبة لي مطلقا في ركوب " البيس " إنه ثقيل جدا ويتم تكديسنا كما لو كنا حيوانات أو بعض البضائع غير القابلة للكسر، كما أن هؤلاء " الأنكسيرات " غير محترمين في الغالب وهم مجموعة من الصبيان المشاغبين، لكنني رغم ذلك لم أعرف منذ سنوات وسيلة للنقل غير الباص لأنني لا أملك إلا تذكرة الباص التي أصبحت في ازدياد متواصل.

أما مريم منت سعيد فتقول " تذاكر الباص أصبحت مرتفعة جدا، وهو ليس مناسبا للركوب، إنه يقوم بتكديس الناس كما لو كانوا حيوانات، ورحلته طويلة جدا نظرا لتوفقاته الكثيرة، وبالتالي فإن ما أدفعه للباص سيكون خسارة إذا ما قارنته بالمشقة التي أعانيها من ركوبه، وطول الرحلة، لقد تحولت إلى " تاكسي 100" فهي على كل حال أسرع، هذا إذا لم تتحول إلى باص هي الأخرى في الأيام القادمة.

محمد ولد صمب " سائق باص شاب " يؤكد لقد عملت منذ سنوات هنا " أنكسيرا " كان " يتوجب علي كل صباح أن أنطلق منذ البكور وألتحق بمحطة الباصات، وأن أظل متعلقا بآخر قطعة حديد في الباص وأتقاضى من الركاب تذاكر النقل، في كثير من الأحيان كنت أدخل في شجار مع كثير من الركاب، أحيانا يصل إلى الضرب، الركاب ليسوا على نفس المتسوى، لكنهم جميعا يعتقدون أن " الأنكسير شخص سيئ ولا يستحق أي احترام،

وبالنسبة للإنكسيرات يمكن القول حسب ولد صمب إن شيئا من ذلك صحيح، " فالكثير منهم هم أطفال تسربوا من المدارس نتجية لظروف الحاجة أو المشكلات الأسرية، لكنهم جميعا يبحثون عن لقمة عيش أو عن حل لمشكل لم يستطع المجتمع حله"

وبنشوة ظاهرة يتحدث ولد صمب قائلا " لقد كنت أنكسيرا وأنا الآن أعمل سائقا لأحد هذه الباصات وإذا استمر الأمر فأنا أتوقع أن أشتري هذا الباص الذي أسوقه الآن،خلال الأشهر القادمة"

حياة الأنسكيرات غير معقدة، القليل منهم هو من يحصل على رواتب ثابتة، أما غالبيتهم فيحصلون على " يوميات" قليلة تساعدهم في مشوار الحياة، لكن أكثر الأنكسيرات الصغار " يستغلونها في شراء السجائر ومشاهدة الأفلام.

سائقو الباصات : نحن نغالب الزمن والأسعار وغياب الدعم.

يؤكد عدد من سائقي الباصات الموريتانية على صعوبة الأوضاع التي تواجهها هذه الشريحة من مجتمع السائقين، ويؤكد السائق ابراهيمولد سيدي على أن " معاناة سائقي الباصات في ازدياد مطرد، نحن نواجه مشكلات كبيرة فباصاتنا التي نعتاش منها تتحول مع الزمن إلى قطع حديدة متآكلةـ، لافائدة فيها،فقطع غيار الباصات تكاد تكون معدومة في السوق الموريتاني، وإذا وجدت فمن ذا الذي يستطيع شرائها، ويضيف زميله أحمد ولد اميس، " نحن نواجه أيضا مشكل ارتفاع أسعار البنزين، فعندما يرتفع البنزين في فنزويلا يرتفع بشكل مذهل في نواكشوط وعندما تعود الأمور إلى طبيعتها فإنها عندنا تظل في ارتفاع، ويؤكد ولد اميس " في ظل غياب أي مستوى من التنظيم والرقابة على وسائل النقل في موريتانيا بعد حل اتحادية النقل فقد أصبحنا في خطر محدق، إن كل من يملك سيارة في موريتانيا يمارس قد حولها إلى تاكسي " الأطباء ومفوضو الشرطة، والأساتذة وحتى أئمة المساجد، الكل ينطلق في منافسة ضد الباص، وبالتالي أصبحنا نواجه أزمة خطيرة،يمكنني القول بكل صراحة أنني منذ سنوات لم أحصل على نصف ما كنت أحصل عليه قبل ظهور " تاكسي 100 أنها بالفعل بلاء علينا معشر السائقين "
الطلاب والباصات الحب والحرب

كثيرة جدا هي الحروب الطاحنة التي دارت بين طلاب مدارس نواكشوط والباصات، ففي كل مظاهرة أو حادث شغب يجعل الطلاب من الباصات هدفا أول لحجارتهم، وفيما لا تزال العبارة الذائعة " عشرة أو حجرة" التي يجعل منها الطلاب الموريتانيون قانونا لتعاملهم مع الطلاب تؤرق بال كل صاحب " بيس " إلا أنى هؤلاء مرغمون على التعامل مع تلك الوضعية وعلى نقل الطلاب " ب10 أوقيات فقط مقابل 40اوقية لغير الطلاب هذتا سعر مجحف جدا " لكنهم في الأخير أبناءنا الصغار ولابد من التعاطف،معهم كما أن " كثيرا منهم أطفال غير مؤدبين، ولن يخسروا شيئا إذا ما أحرقوا إطارات باصاتنا أو أرسلوا علينا حجارتهم المجنونة، نحن هنا نعمل من أجل الجميع ولا أحد يعمل من أجلنا.

ورغم ذلك يشعر عدد كبير من الطلاب بحب هذا الصديق الذي لايمكن أن " نصل إلى مدارسنا بدونه، رغم أن كثيرا يكون مرغما على إخفاء دفاتره حتى يصعد إلى الباص، فالكثير من السائقين لايتوقفون عندما يبصرون دفاتر الطلاب،

شيئا فشيئا تنسحب الباصات الصغيرة من حياة العاصمة نواكشوط، حيث تواصل تلك المدينة المضطربة رحلة البحث عن وسائل نقل جديدة، وفي تلك الرحلة دائما يسقط ضحايا كثيرون،ويؤكد سائقو الباصات أنهم أول هذه الضحايا وأكثرها تضررا.

نقلا عن السراج الإخباري

محمد المصطفى ولد الزاكي
09-22-2010, 08:22 PM
موضوع جميل جدا


دمت بخير وتقبل تحياتى