مشاهدة النسخة كاملة : ما هكذا تحارب القاعدة


ابو نسيبة
09-22-2010, 04:02 PM
ما هكذا تحارب القاعدة
أحمد يعقوب - أستاذ بجامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا
إن خيالي ليضج الآن ببيانات التأييد والمساندة والإكبار والإعجاب التي كان سيحظى بها السيد الرئيس محمد ولد عبد العزيز ـ دون غيره ـ لو انتصر الجيش على كتيبة القاعدة على الحدود المالية، وهو ما بدأت مؤشراته بالفعل بنشر خبر توليه القيادة المباشرة للضربة التي كانت يرجى أن تكون استباقية لكن تحولت إلى هجمة مرتدة للأسف الشديد وخسرنا فيها شبابا من خيرة القوات المسلحة دون مقابل يذكر في صفوف العدو. ولكم أن تتخيلوا حجم التسريبات الاستخباراتية الفرنسية التي كانت ستبث بالحق وبالباطل عن دور فرنسا التقني والميداني لو أن العملية حررت المختطفين الفرنسيين أو بعضهم أو أثخنت في تنظيم قاعدة المغرب الإسلامي، ولكن ذلك لم يقع أيضا ونأت فرنسا بنفسها عن العملية كما درجت على أن تتبنى كل عمل ناجح، وأن تنأى بنفسها عن كل المحاولات الفاشلة وفق تعبير الشنقيطي. فالهزيمة لا أب لها والنصر له آباء متشاكسون. كما سكتت مالي سكوت الخائف المضطر، وتكلمت المصادر الجزائرية بما لا تشتهيه موريتانيا ربما نقمة منهما ومن فرنسا حين كانت الجزائر في التسعينيات تحارب الإسلاميين دون أن تنصرها فرنسا أو تنفعها موريتانيا.

تداخلت عوامل كثيرة أدت إلى ما يمكن أن يقال إنه فشل أو نصف فشل تخطيطي واستخباراتي وتكتيكي للقوات المسلحة الموريتانية، ومن المتوقع أن يستمر ذلك الفشل ـ لا قدر الله ـ ما لم تتغير قواعد اللعبة الرئيسية ونعد العدة حق إعدادها ونعرف العدو الهلامي الذي نحاربه حق المعرفة.
فلن ننجح في محاربة القاعدة ما دامت القاعدة قادرة وبكل بساطة على تجنيد مآت الشباب الموريتاني وغير الموريتاني، وتتزايد صفوف أتباعها يوما بعد يوم في جميع العناصر والقبائل الصحراوية المحاربة التي خبرت السلاح وخبرها لعدة قرون، وهذا أول تهديد وأخطر تهديد للقاعدة، ومحاربته ليست في السلاح ولا في البنادق ولا في الهجمات العسكرية، وإنما بتحصين الشباب فكريا وثقافيا ودينيا واجتماعيا بشغل عقولهم بالدين والعلم الصحيحين وملئ حياتهم بالتنمية والعطاء والإنجاز الملموس.

ولن ننجح في حربنا على القاعدة ما لم نفك ذلك التعاطف الشعبي والذي يصل إلى درجة التعاون بين القاعدة وبعض المافيات والقبائل، والذي نجد القاعدة حريصة على تأكيده والمحافظة عليه بكل السبل حتى ولو كلف ذلك القاعدة ما كلفها، وما صفقة إطلاق عمر الصحراوي الذي لا ينتمي للتنظيم إلا مثالا يؤكد حرص القاعدة على حلفائها وأنها لن تتركهم مهما كانت الظروف، وظهرت هذه النبرة أكثر في بيان القاعدة الأخير الذي تحدثت فيه بالاسم عن " أولاد عمران و أولاد إعيش و أولاد إدريس و كل قبائل البرابيش الأبيّة و طوارق الأزواد" ووصفتهم بـ" الأحرار" وعزّتهم ووعدت بالانتقام لهم ولشرفهم: "إن مصابكم هو مصابنا ، و إن دماءنا دون دمائكم ونحورنا دون نحوركم و من اعتدى عليكم فكأنما اعتدى علينا فنحن تُرسكم و نحن درع أمتنا الواقي و أبشروا فلن تضيع دماء أختينا الشهيدتين هدرا بحول الله و قوته".

ولن ننجح في محاربة القاعدة ما دامت هذه الثلة التي تعيش في غياهب الصحراء تماثل جيشنا عدة وتسلحا وتتفوق عليه في بعض الأحيان في التدريب التكتيك والتخطيط العسكري، ناهيك عن وضوح العقيدة القتالية والاستعداد للبذل والتضحية من أجلها بما تملك وبما لا تملك. وما طريقة استدراج القاعدة للجيش في العملية الأخيرة وقطع الطريق من خلفه إلا نموذجا كان يمكن ألا يقع، وتكرارا دراميا لأبجديات إدارة المعارك التي يعرفها المدنيون قبل العسكريين.

ولن ننجح في محاربة القاعدة ما دامت تتفوق علينا إعلاميا وتتابع معاركها أولا بأول، وتصدر البيانات الواحد تلو الثاني، وتنشر الأحداث موثقة بالصوت والصورة، وتكسب ثقة الإعلاميين أو كثيرا منهم ما يجعلهم ينشرون كل ما يصدر عنها ويعتبرونها مصدرا معتمدا للخبر الدقيق، هذا في الوقت الذي يصاب فيه تلفزيون الدولة والشعب الرسمي بالخرس التام، ونعجز حتى عن معرفة عدد ضحايانا وأسمائهم بينما نجد القاعدة تذكر أسماء وصفات من تعرف ومن لا تعرف من الضحايا، ولا أدل على ذلك من ذكرهم اسم المرأة (إنجيه) وابنتها (السالكة) اللتين قالت القاعدة ومصادر مالية إنهما ذهبتا ضحيتين للقصف الجوي الموريتاني دون ذنب.

ولن ننجح في محاربة القاعدة قبل أن نعرف القدرات الحقيقية للقاعدة ونقدرها قدرها ونعد لها العدة اللازمة ونختار الزمان والمكان المناسب للهجوم عليها إن نحن أردنا ذلك. ويخطئ كثير من السياسيين والعسكريين الموريتانيين عندما يقيسون قدراتها ببعض الشباب الغر والمفرقعات النارية والوثائق المسحوبة من الانترنت ويظنون أن ذلك هو القاعدة.

القاعدة في الحقيقة أصبحت قوة مالية كبرى جنت ما لا يقل عن 150 مليون يورو من فدى من الأوربيين، ومن المتوقع أن تزيد الغلة بخطف الفرنسيين الخمسة+ 2 في النيجر، وهو مبلغ قد يفوق ميزانية الجيش الوطني عشرات المرات، وربما مآت المرات إذا أخذنا في الحسبان أن هذا المبلغ تلقته منظمة لا هم لها إلا القتال وليست عليها أعباء اجتماعية ولا رواتب ولا خدمات. والقاعدة أيضا قوة عسكرية صرفت مبالغ هائلة مما جنته على التسليح والتدريب، وتعذر استئصالها على دول هي أكثر عدة وعتادا من موريتانيا، وأجبرت دولا أخرى على التسامح والتساهل وربما الخصوع غير المعلن لها.

ولن ننجح في محاربة القاعدة حتى نفهم أنها ظاهرة وليست جيشا ولا منظمة يمكن استئصاله بالقضاء على بعض أفراده المسلحين أو آلياته العسكرية مهما بلغ العدد، والظاهرة تتداخل فيها العوامل الدينية مع النفسية مع الاجتماعية، ولا يمكن علاجها دون تحليل دقيق للأسباب يشارك فيه المختصون، ووضع استراتيجية متفق عليها واضحة للجنود في الميدان ولكل الشعب المساند لهم دون استثناء، وبعد كل ذلك نبدأ في تطبيق الحلول المناسبة مدنية كانت أو عسكرية بدقة ووضوح. وهو أمر ربما يحتاج إلى عقود.

والحقيقة التي لا مراء فيها أننا إن أحسنّا الظن بهذه القاعدة نقول إنها مجموعة من الناس يقرأون النصوص الشرعية التي تحث على القتال والجهاد بشكل مجزوء مقتطع من سياقه، ويفهمونها بروح الشباب المتحمس المستعد للموت، ويضيفون عليها ما تيسر من سير المجاهدين القدامى والمقاتلين المعاصرين دون فهم عميق وشامل لها ولمقتضياتها. وهذا الفهم المغلوط للجهاد والعاطفة الجياشة عند هؤلاء من المستحيل إخمادها بالوسائل العسكرية وحدها، ومن الصعوبة بمكان القضاء عليها بمجرد الحوار والنقاش، مهما بذل المقاتلون ومهما حاول العلماء والسياسيون. وأرى أنه من الأجدى لنا ولكل الدول توجيه تلك الطاقة الكامنة في الشباب إلى هدف مجمع عليه يعادي الأمة ولا يضرها ضربه بدل توجيه الضربات إلى نحورنا، وننصب لهؤلاء دمية ملاكمة يفرغون فيه تلك الطاقات كما امتصت أفغانستان غضب الشباب وطاقة الشباب لما دعمها الجميع..

نقلا عن الأخبار