مشاهدة النسخة كاملة : عندما يتحول الحكيم إلى جزار!


ابو نسيبة
09-22-2010, 10:11 AM
عندما يتحول الحكيم إلى جزار!



الكاتب أحمد ولد باها

لم يعد خافيا على أحد التدهور الذي وصل إليه قطاع الصحة بشقيه العام والخاص في البلاد؛ الأمر الذي يرجعه الكثيرون إلى الليبرالية التي انتهجتها الدولة في مجال الصحة في العهود السابقة لفتح المجال أمام رأس المال الخاص لولوج القطاع بعد أن عشش الفساد وسوء التسيير

عقودا طويلة في كل زواياه ونهبت مقدراته ولم يعد يقوى على النهوض بمسؤولياته، فأصبح عالة على الدولة التي سعت إلى إرخاء قبضتها على القطاع في محاولة لالتقاط الأنفاس؛ لكن التطبيق الفج لهذه الليبرالية أدخل نظام العيادات الخاصة إلى النشاط الصحي عن طريق السماح للأطباء بفتحها دون ضوابط تذكر؛ وقبل أن يؤدي صاحب الشأن أية خدمة للدولة والشعب من خلال العمل الحصري مدة محددة في مؤسسات الدولة الصحية ليكتسب من خلالها التجربة والاحتكاك بشتى أنواع الحالات؛ مما يساعده على بناء خلفية صحيحة ومهنية عن السجل الصحي للسكان؛ وبالتالي القدرة على التعامل معهم مستقبلا من خلال العيادة الخاصة التي لن يكون قادرا على نيل ترخيص لها قبل تلك المدة التي يجب أن لا تقل عن عقد من الزمن في العمل بمستشفيات الدولة على سبيل المثال.

العيادات المنتشرة انتشار حوانيت بيع "السقط" لا تعطي الانطباع بجودة عمل القائمين عليها بقدر ما تؤكد مدى الفوضوية التي وصل إليها القطاع؛ والتي أصبحت تجلياتها ظاهرة للعيان من خلال سفر أفواج من المرضى إلى الدول المجاورة بهدف العلاج نتيجة فقدان الثقة في الكادر الطبي المحلى؛ سواء على مستوى تلك العيادات التي يراها الكثيرون مصدرا إضافيا لدخل الطبيب لا غير، أم في بؤر العذابات المستمرة (المستشفيات الوطنية) حيث قد يجري المريض عمليات جراحية عديدة كان من الممكن الاستغناء عنها لولا الإهمال وضعف الكفاءة وعدم التبصر، والتشخيصات الطبية الخاطئة التي عانى بسببها الكثير من المرضى عذابا نفسيا وبدنيا لا يوصف..

مشاهد تحاصرك كلما توجهت إلى إحدى هذه "المجازر" وإن كان بعض العيادات الخاصة يعمد بين الحين والآخر إلى اقتناء بعض التجهيزات الحديثة في مجال الكشف لا يقدر على الاستفادة منها غير قلة من المترفين!

كارثة صحية تهدد حياة المواطن الذي لا يستطيع السفر إلى الخارج (وما أكثرهم!) ومسؤولية قانونية غائبة عن محاسبة الأطباء على تلك الأخطاء القاتلة في بعض الأحيان أو المسببة لأمراض لم يكن الشخص مصابا بها من قبل.

أمور -ضمن أخرى- يجب أن تكون من صميم أولويات إعادة القطاع إلى جادة الحياة من طرف وزارة الصحة التي يتحدث أعلى هرمها الإداري بين الفينة والأخرى عن عديد الإنجازات فيما تؤكد جولة تفقدية بسيطة لصحفي في تلك الحظائر المسماة مستشفيات ومستوصفات أن الأحوال لا تزال بعيدة كل البعد عن مرام المواطن أداء ودواء!

الموت الأكيد!

عندما ترغب في عبور مريضك إلى الدار الآخرة، أدخله أحد المستشفيات العمومية أو العيادات الخاصة، وسترى كم هي قصيرة تلك المسافة التي تفصل بين المريض وتلك الدار! ذلك هو مضمون ما كان يعتقد الساذجون أنه الإطلالة الواسعة على بوابة الرحمة والشفاء، واليد الحانية المشفقة كما هي الحال في كل مستشفيات العالم، من استماتة الأطباء في علاج المريض كما تقضي تعاليم الطب وتقاليده وأعرافه، فيما يتحول معظم أطبائنا في إلى تجار آلام وسماسرة معاناة كما يصفهم الكثيرون، وممرضاتنا إلى مهملات غير متجاوبات مع المرضي بفعل انتشار العيادات الخاصة هنا وهناك.. مما يجعل الطبيب موزع الاهتمام بين العمل في مستشفيات الدولة وعيادته الخاصة التي تشغل حيزا كبيرا من ذهنه، فيقع في الخطأ في تشخيص حالة المريض ومن ثم في علاجه ويضيع وقت المسكين بين الوصفات الطبية التي لا علاقة لها من قريب ولا من بعيد بحالته المرضية.

وضعية جعلت عاصمة السنغال قبلة للمرضى الموريتانيين؛ فمتى يتوقف سيل التدفق الاستشفائي على الجيران في السنغال والمغرب وتونس؟

عبثية الفحص

جحيم ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قبله العذاب، معاناة يتساوي فيها الصغير والكبير، الضعيف والقوي، الشيخ الهرم والفتاة اللعوب! ما دامت لا الطرق الملتوية تستعمل للحصول على فرصة أفضل من الاهتمام.

طبيب مقطب الجبين في غالب الأحوال ينظر بازدراء شديد لا يخلو من التعالي والعجرفة إلي حالات البؤساء الذين رمتهم قسوة المقادير بين يدي من لا يرحم -في غالب الأحوال- بل ولا يقدر على التشخيص السليم لمرض هذا أو هذه؛ يمكنك تخيل أي شيء في هذه الدنيا غير التعامل الرحيم بأسلوب لطيف مع المرضى؛ مع العلم أن هذه الفحوص العبثية ليست بالمجان ولا قريبة من المجان.. بل تستنزف الجيوب حتى آخر أوقية وفي نهاية "اللعبة" يظهر الكشف الذي لا يبشر بالخير، فيموت المريض ألف مرة كل يوم قبل أن يحين أجله جراء التنقل بين الفحص والآخر، والذهاب والإياب.. دون أدنى اهتمام من طاقم طبي في معظمه لا يهتم بأكثر من جني الأرباح من المرضي الذين وضعهم القدر في طريق من لا يمكن وصفه بملاك الرحمة الذي هو أحد أوصاف الطبيب في العالم المتحضر.

الحديث عن التشخيصات الطبية الخاطئة بات مسموعا بشكل واسع في جلسات وصالونات المجتمع بقويه وفقيره، انعدام للثقة -إلى حد كبير- بمعظم الأطباء المحليين يقابله امتداح واضح لخبرات طبية شافية أصبح اللجوء إليها بديلا جيدا لكل مريض يرغب في التشخيص الصحيح والشفاء العاجل من مرضه وبتكاليف أقل من ناحيتي العلاج والإقامة؛ بدل صرف مئات الألوف من الأوقية في تخبط.. لا نهاية له في المستشفيات المحلية.

ويعرب العديدون عن دهشتهم من كفاءة العيادات أو المستشفيات الخارجية التي تماثل في الحجم والمظهر ما هو موجود في البلاد؛ لكن الاهتمام بصحة المريض ودقة التشخيص يختلف اختلافا كليا.

وبالرجوع إلى ما تزخر به بلادنا من الموارد والطاقات -مقارنة بتلك البلاد المزدهرة طبيا- تكون الدهشة أكبر في نفوس المواطنين كما يقول من التقيناهم.

التلاعب بالمريض!

يتصور الكثيرون أن معاناتهم مع المرض تبدأ من لحظة الإصابة به؛ لكن ذلك غير حقيقي بالمعنى الشامل والكلي، فالمعاناة الفعلية تبدأ من لحظة الوقوف أمام الطبيب المعالج -إن صح التعبير- في مراكز الاستشفاء الوطنية، وحتى في العيادات الخاصة لأولئك الأطباء المسكونين بالإرهاق ونقص التجهيزات في غالب الأحيان! ومن ثمة الانتظار في طابور طويل من المرضى الذين ابتلاهم المولى بالحاجة إلى خدمات هذه المراكز والعيادات التي تمثل أولى خطوات المريض نحو جحيم المعاناة.

وقد يعود هذا الأمر -في جزء منه- إلى شح المعدات والتجهيزات الطبية من أجهزة كشف وغيرها؛ إضافة إلى تردى الأوضاع العامة للكادر الطبي.. ولست هنا بصدد تبرير تصرفات خاطئة ومعيبة؛ إلا أن حلقات الألم والتعايش مع المعاناة في أبشع صورها يظلان متتاليين.. مما أفقد المريض الثقة بالكادر الطبي وجعل ضعاف المرضي ينتظرون ملك الموت أكثر على أحر من الجمر؛ إذ بمجيئه تحين ساعة التخلص من المعاناة التي صنعتها يد لا تشفق على مريض إلا بالقدر الذي يدفع أهله مقابلا كمحاولات للعناية بمريضهم.

الطريق إلى الجوار!

هذه الوضعية السيئة من التخبط الحاصل من قبل أطبائنا، والتعثر غير المبرر في القدرة على الكشف عن حقيقة وطبيعة الأمراض التي يشكو منها زائرو تلك المستشفيات والعيادات الخاصة على حد سواء، جعل من العواصم المجاورة -وخصوصا داكار- قبلة الراغبين في الاطلاع على حقيقة أمراضهم والاستشفاء منها في يسر وسهولة؛ في حين أصبح كل من المغرب و تونس قبلة المرضى ميسوري الحال؛ حيث يقول العائدون من هناك إن أعداد الموريتانيين القادمين للتشخيص والاستشفاء في تزايد مستمر لحالات منها: أمراض الهضم، والسرطانات، والكبد، وأمراض العقم..

وهي وضعية جرها عديد الحوادث المأساوية التي تعرض لها الكثير من المرضي بفعل التشخيصات الخاطئة التي أدت إلى إجراء عمليات جراحية تبين فيما بعد أن المريض كان في غنى عنها لو قدر له أن يحظى بالخبرة لتشغيل أجهزة الكشف الموجودة في مستشفيات الدولة، والغائبة في الكثير من عيادات الموت المحقق باسم الطب والأطباء!

الفراغ القانوني

انعدام -أو غياب- تطبيق النصوص القانونية المجرمة لأفعال الأطباء المهنية الخارجة على القانون كان له الأثر الكبير في عدم خشية الطبيب العام والخاص من الوقوع تحت طائلة المساءلة عن أفعاله الضارة أو القاتلة أحيانا؛ الأمر الذي يستوجب تشكيل لجنة من القطاع للقيام بمهمة المساءلة وتحديد حجم ونوع العقوبة التي يجب أن يتلقاها الطبيب العابث أو المهمل؛ حفاظا على استعادة المريض لحقه المعنوي والمادي عما قد يلحق به من جراء هذا الخطأ أو العمد الناتج عن تدنى الخبرة لدى البعض وإهمال الآخر.

خطوة إلى الأمام

وعلى الرغم من بروز بوادر جدية من طرف السلطات العليا للبلد للسعي نحو تحسين أداء العديد من هذه المراكز تخفيفا للضغط على المستشفيات واختصارا للوقت والكلفة على الفقراء من الساكنة؛ إلا أن قلة الزيارات التفقدية للمصالح التابعة لقطاع الصحة -بما فيها العيادات الخاصة- تلقي بظلال كثيفة من الفشل على أداء هذه الكوادر وعمل التجهيزات الأخيرة التي أمر رئيس الدولة بشرائها وإدخالها إلى خدمة الجمهور المتعطش لأي جديد يقضي على الوضعية المتردية للصحة في البلاد.

إن من شأن دورات تكوينية وحلقات فكرية تناقش أهمية السلوك المتحضر والتمسك بأخلاق المهنة وأهمية الصدق في التعامل مع المريض تنظم بين الحين والآخر من قبل وزارة الصحة لكلا الطرفين -العام والخاص- أن تكون خطوة أخرى لا تقل أهمية عن سابقتها، حتى تكتمل بذلك منظومة الصحة الوطنية وتقف على دعائم من الممارسة الصحيحة المشرفة للكادر الطبي أولا، ولاستعادة الصحة الوطنية عافيتها المفقودة؟ فهل تلعب وزارة الصحة دورا رائدا في الإسراع بتنظيم مثل هذه الملتقيات على عموم التراب الوطني؟ أم تقف على الضفة الأخرى تنظر إلى أفواج المغادرين للعلاج خارج أرض الوطن في ظل استمرار التشخيصات الطبية الخاطئة التي جعلت من القطاع محل تندر الجميع؟!

أحمد ولد باها
نقلا عن السفير