مشاهدة النسخة كاملة : خيارات عباس محدودة جدا


أبو فاطمة
09-21-2010, 04:01 PM
خيارات عباس محدودة جدا

حمزة إسماعيل أبوشنب

لقد تمكنت إسرائيل خلال اتفاقية أسلو التي وٌقعت في واشنطن قبل سبعة عشر عاماً بين وزير خارجية إسرائيل شمعون بيريز و محمود عباس أمين سر منظمة التحرير، بحضور الزعيمين الراحلين " اسحاق رابيين" و" ياسر عرفات"، والرئيس الأمريكي الأسبق "بل كلينتون"، أن تنتزع من المنظمة اعترافا بالكيان الإسرائيلي كدولة قائمة على معظم أراضي فلسطين التاريخية، مقابل إعطاء المنظمة حكما ذاتيا، عرف باسم "السلطة الفلسطينية"، تحت شعار "الأرض مقابل السلام"، وليس خافيا على أحد أن السلام حسب المفهوم الإسرائيلي يمكن في معادلة واحدة، هي معادلة "أمن دولة إسرائيل ومواطنيها".

وقع الراحل عرفات على الاتفاق في واشنطن، في سبتمبر 1993م، وأجل كل القضايا المرحلية التي كان بالإمكان حلها قبل التوقيع، وهي قضايا كانت ستعطي القوة والترحيب لدى الشارع الفلسطيني، لأي اتفاق سيتم توقيعه، فضلا عن تعزيز مكانة ياسر عرفات في الأراضي الفلسطينية، من أبرز هذه القضايا، قضية الأسرى.

ولعل السبب في تسرع قيادة المنظمة بالموافقة والتوقيع، أن إسرائيل استطاعت أن تشعل هاجس الخوف لدى المنظمة وحركة فتح، من زيادة نفوذ حركة حماس التي كانت تنشط بفعالية كبيرة جداً في الأرض المحتلة، وكان نشاطها العسكري يؤذي إسرائيل بشكل واضح وملموس، أضف إلى ذلك حالة الضعف والتهميش التي مرت بها المنظمة في الخارج بعد أحداث أيلول الأسود 1970 وطرد المنظمة من الأردن، وثم تبعها بعد ذلك فشل جديد بعد خروجها من بيروت عام 1982 م وإبعادها عن حدود الجبهة المباشرة مع إسرائيل، ثم جاء وقوف الراحل عرفات إلى جانب الزعيم العراقي صدام حسين إبان غزو الكويت عام 1990م، كل هذه العوامل إلى جانب الخوف من خسارة الرصيد المتبقي في الضفة الغربية وغزة، أكسب إسرائيل اعترافا فلسطينيا رسميا بوجودها، وتعهدا من السلطة بمحاربة "الإرهاب"، وتطبيق نظرية الأرض مقابل الأمن، وليس السلام، مما أدى بعد ذلك إلى إنهاء مسيرة عرفات السياسية، بعد أن رفع يده عن الالتزامات الأمنية بعد انتفاضة الأقصى 2000م ومحاولته تهريب السلاح عبر كارين a.

رحل عرفات بعد أن تم تهميشه وهو على رأس السلطة من قبل الإدارة الأمريكية في عهد بوش الابن، وفرض عليه تعديلات جعلت من أبومازن رئيسا للوزراء عام 2003م.اليوم، وبعد مرور 17 عاماً على اتفاق أوسلو المشؤوم، فإن العجلة تدور من جديد نحو اعتراف بيهودية الدولة التي اعترفت بها المنظمة كدولة جوار.

الإدارة الأمريكية –الراعي الحصري لعملية التسوية- سلّمت بأنه يجب الاعتراف بدولة يهودية ديمقراطية، حسب كلام ميتشل مؤخرا.من الصعب على محمود عباس وهو مهندس أوسلو أن يتهرب من هذا الاعتراف وهو لا يملك أي أداوت تساعده على الرفض، إن محمود عباس يعيش الآن ظروفا مشابهة للظروف التي عاشها الراحل عرفات عند توقيع اتفاق أسلو وعاشها عباس نفسه،لأنه كان الرجل الثاني في المنظمة وحركة فتح، فالظرف اليوم يضع عباس في الزاوية الضيقة جداُ ويجعله أمام خيارات محدودة لا مناص من أحدها.

على صعيد الوضع الداخلي، يواجه عباس العديد من الإشكاليات من خلال انتهاء ولايته القانونية في يناير 2009م والتشكيك المستمر في رئاسته للسلطة، مما اضطره أن يذهب للجامعة العربية لاكتساب غطاء شرعي، والتمديد له لحين إجراء انتخابات قادمة،وهذا يدلل على مدى قلق عباس في هذه الفترة، وحاجته إلى مساندة خارجية لاستمراره في قيادة السلطة بالرغم من أنه رئيس منظمة التحرير.

حركة حماس التي تحكم قطاع غزة، تشكل إزعاجا كبيرا لمحمود عباس الذي خسر أمامها الانتخابات التشريعية عام 2006 م، وثم خسر بعدها المواجهة المسلحة عام2007، وفقد السيطرة على قطاع غزة، فتواجد حماس القوي في الساحة السياسية الفلسطينية هو تهديد كبير لمحمود عباس، بسبب الاختلاف التام بين نظرة كل من الطرفين لإدارة الصراع مع إسرائيل، حماس تؤمن بالمقاومة المسلحة كخيار ووسيلة أساسية، وعباس يري أنها تجلب الدمار والخراب للشعب الفلسطيني، وبالتالي لا مجال للالتقاء في وجهة نظر الطرفين.

سيطرة حماس على قطاع غزة عقبة حقيقية وكبيرة بالنسبة لمحمود عباس، وتعيق مسيرة المفاوضات برمتها، فكيف سيفاوض محمود عباس على أرض لا يملك القرار السياسي ولا الأمني عليها، بل إن قوة حماس لا تنحصر في قطاع غزة ، فعملية الخليل التي جاءت قبل حفلة بداية المفاوضات وأسفرت عن قتل 4 مستوطنين على يد عناصر حماس، كانت رسالة واضحة لمحمود عباس، مفادها أن نموذج الضفة الهادئة أمنيا، قد يتبدد بتنفيذ عملية واحدة داخل إسرائيل ولتقلب الطاولة فوق الجميع، ولقد ثبت في الماضي أن هذه العمليات تستطيع تغير المعادلة السياسية على الأرض، بل تستطيع تغيير الخارطة السياسية داخل الكيان الإسرائيلي، وقد يكون من المجدي أن نتذكر أن فشل شمعون بيريس عام 1996 م بقيادة حزب العمل لفترة جديد في الحكومة واستمرار عملية السلام، هي مجموعة عمليات قامت بها حركة حماس انتقاماً لمقتل قائدها يحيى عياش.

سلام فياض رئيس الوزراء المعين من قبل محمود عباس والمدعوم غربيا وإسرائيليا، شخصية تمكنت من السيطرة على مقاليد الحكم في الضفة الغربية، وأصبحت عنوانا أساسيا للسلطة، حيث غدا فياض رمزا "للشفافية والاعتدال"، بالنسبة للدول المانحة، في الفترة الأخيرة لم يتورع فياض عن الترويج لنفسه على أساس أنه رجل المؤسسات، و رجل الدولة القادمة، التي فشل في بنائها كل من عرفات وخلفه عباس.

في الفترة الأخيرة تزايدت الضغوط الداخلية في حركة فتح، على محمود عباس، من أجل تحجيم دور فياض، سواء بتغيره وتعين شخصية فتحاوية بدلا منه لرئاسة الحكومة "غير الشرعية"، أو تعين نائب قوي له من داخل الحركة، أو سحب وزارة المالية من سلطانه، و كل هذه الأماني والطموحات باءت بالفشل، حتى هذه اللحظة، واستمر فياض في العمل بنظرية الأمن مقابل الاقتصاد "السلام الاقتصادي".

أما الساحة العربية - التي خذلت عرفات سابقا - فلا يستطيع عباس أن يعول عليها، فبعد سحب التصويت على تقرير جولدستون في أكتوبر 2009 م، واستنكاف الدول المساندة له عن مساعدته إعلاميا، واعتباره المسئول الأول والأخير عن سحب التقرير، بات عباس مقتنعا بأن محيطه العربي من السهل جداً أن يتخلى عنه في الوقت الذي يكون هو في أمس الحاجة إليه، ولقد تكرر المشهد في اجتماعات وزراء الخارجية العرب في القاهرة، قبل بدء المفاوضات المباشرة حيث لم يعطوا قرارا واضحا بالخصوص.

هذه العوامل مجتمعة، تجعل عباس أمام خيار الاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية، والإيمان بنظرية الأمن مقابل الاقتصاد التي يطبقها فياض، وتجعل من الصعب عليه الصمود –بلا أوراق ضغط- أمام هذه الضغوط والإشكالات، والوقوف ضد الرغبة الأمريكية، وحاجة إسرائيل الماسة إلى الاعتراف بيهوديتها من اجل تنفيذ مشاريعها في ترحيل فلسطينيي الداخل، الذين تعتبرهم خطراً على ديمغرافية إسرائيل خلال المرحلة القادمة.

نقلا عن المركز الفلسطيني