مشاهدة النسخة كاملة : عفواً عمرو موسى.. الموقف الرصين لا يقتضي شراء الوهم


أبو فاطمة
09-21-2010, 03:57 PM
عفواً عمرو موسى.. الموقف الرصين لا يقتضي شراء الوهم

محمود عبد الرحيم


لا أستوعب منطق الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى، حين يتحدث عن الشكوك في الجانب الإسرائيلي وتجارب مريرة سابقة مع التفاوض الفاشل، بفضل الموقف الإسرائيلي وانحياز السياسات الدولية، فضلا عن عدم تغيير جوهر السياسات الإسرائيلية، ثم ينتهي إلى القول بأن الموقف الرصين يقتضي إعطاء المفاوضات فرصة، فهذه المقدمات لا تقود بأي حال من الأحوال إلى هذه النتيجة مطلقا، وإنما إلى العكس تماما، خاصة، وأنه يعترف بأن تغييرات على الأرض تجرى على مدار الساعة، تستهدف تغيير جغرافية وديمغرافية الأراضي المحتلة.

بالإضافة إلى أن التفاوض تحت سياط الضغط الأمريكي واختلال ميزان القوى بهذا الشكل المؤسف، حتى لو افترضنا جدلا أن ثمة جدية، فإنه لن ينتج سوى تنازلات قاسية وضياع للحقوق الفلسطينية.

فمن باب أولى تجميد ملف التفاوض، في ظل هذه الوضعية والمناخ غير الموات، إن لم يكن التخلى تماما عن هذا الخيار الذي ثبت فشله بالتجربة غير ذات مرة، وليس الحديث عن أنها الفرصة الأخيرة، لأننا أعطينا ألف "فرصة أخيرة" بدءا من مدريد، وليس انتهاءً بجولات واشنطن وشرم الشيخ والقدس الأخيرة، وذلك على مدى عشرين عاما.

وكلنا يعلم وأولنا عمرو موسى، بحكم خبرته الديبلوماسية الطويلة والعميقة، أنه لا جدوى من هذا النهج "السلامي" وأننا إزاء حلقة جديدة من مسلسل ممل وسخيف، هدفه ليس إرجاع حقوق، أو سعي وراء استقرار وسلام حقيقي، وأنما استهلاك مزيد من الوقت، لإكمال المخططات الصهيونية، خاصة ما يتعلق بتهويد كامل للقدس العربية، استعدادا لإعلانها عاصمة للكيان الصهيوني، بالترافق مع تكثيف للاستيطان بالضفة الغربية، لانتزاع أجزاء استراتيجية منها، والتفاوض على الجزء الآخر مستقبلا، وإظهار التخلى عنه، كما لو كان تنازلا قاسيا، ينبغي في المقابل الحصول على تعويض عنه، وتنازل كبير من الجانب الآخر.

وكلنا يعلم أيضا أن هذه الجولة من المفاوضات ضرورة أمريكية بالأساس، لأهداف انتخابية داخلية، وأنه مقابل استجابة الجانب الإسرائيلي لهذه الحركة الوهمية التى يجيدها اوباما ورجاله منذ قدومه، فإنه لا مجال لأية ضغوط أمريكية باتجاه تل أبيب، وأنما تفاهمات خبيثة، ومكاسب متبادلة، وضغط مزدوج على السلطة الفلسطينية يعرفان أنه سينتج اثرا، وسيجبرها على المشاركة في هذا الحلقة الجديدة من مسلسل العبث، ومن ورائها العرب، مشاركين بإعطاء عباس مشروعية يفتقدها، لتقديم ما تيسر من تنازلات فلسطينية جديدة، تصب في خانة المصلحة الصهيونية.

ولذا يبدو حديث وزراء الخارجية العرب بشأن حث واشنطن على الضغط على حكومة نتانياهو لوقف الاستيطان، أو الحديث عن فتح ملف إسرائيل النووي، حلقة أخرى من حلقات العبث، وخطابات الوهم، لأن الإدارة الأمريكية لن تمارس ضغوطا حقيقية على حكومة نتانياهو بشأن الاستيطان، وأي تحرك إن تم ، سيكون في شكل مناورة أو خديعة متفق عليها وإجراء شكلي، في ظل أجواء التجديد النصفي للكونجرس، ونشاط اللوبي الصهيوني الضاغط، والمخطط الاستراتيجي بعيد المدى كذلك، وأنها لن تسمح أيضا بفتح الملف النووي الإسرائيلي، وستستخدم الفيتو في الوقت المناسب، بحجة أن إثارة هذا الموضوع في هذا الوقت يضر ب"عملية السلام"، وهو ما تم إعلانه في تصريحات أخيرة بصيغ مختلفة صريحة أو ضمنية.

وبخصوص رفض العرب "يهودية الدولة"، فإن التصريحات الأمريكية نسفت مقدما هذا الموقف، وبات يتصدرها في غير مناسبة هذا "الاختراع الصهيوني" الخبيث، وآخرها ما جاء على لسان وزيرة الخارجية الأمريكية عقب انتهاء محادثات القدس، وقبلها المبعوث الأمريكي جورج ميتشل، وإذا وضعناه إلى جانب "خطاب ضمانات بوش" قبل سنوات الذي يرقى الى صيغة "وعد بلفور جديد" بشأن عدم الاعتراف بحدود العام 1967 ، وبقاء القدس الموحدة عاصمة للدولة اليهودية، ومنع عودة اللاجئين، فإنه يبدو كملحق جديد لهذا الخطاب الشرير، أو تكملة للمشروع الأمريكي الصهيوني بشأن المنطقة، وتسوية للصراع الممتد برؤية تعتمد على فرض الأمر الواقع ومنطق القوة على نحو مجحف.

ف"يهودية الدولة"" يبدو أنه الحل السحري" الذي وجد فيه الإسرائيليون والأمريكيون فرصة سانحة للهروب من استحقاقات صعبة ومربكة، وإسقاط حق العودة، بل وإعطائهم المبرر لتحجيم النمو العربي الطبيعي داخل الأراضي المحتلة، بل وترحيل السكان الأصليين مستقبلا إلى الضفة و غزة، وهو ما بدأت مؤشراته في الظهور مؤخرا.

فهل ثمة معنى إذا لمناشدة واشنطن، وهي لم ولن تكون وسيطا ولا نزيها، وأنما شريكا في مخطط إهدار الحقوق الفلسطينية والعربية؟!

وواقع الحال يقول بأن علينا أن نكف عن هذا الرهان الخاسر، ووضع البيض مرة أخرى في السلة الأمريكية، وأننا مطالبون بأقصى سرعة بمراجعة إستراتيجية الأمن القومي العربي، و أن نحذف من قاموسنا العربي هذه العبارة سيئة السمعة" السلام خيار إستراتيجي للعرب"، وأنه"لايجب أن تُترك فلسطين لمصيرها" كما قال عمرو موسي بنفسه، وعلينا فعلا أن نبحث عن بدائل حقيقة لحماية هذه القضية من الضياع، لأن التفاوض إلى مزيد من الفشل، ولسنا بحاجة لمزيد من الانتظار والتحايل، أو البحث عن تخريجات لأمريكا وإسرائيل كما فعل الرئيس المصري حسني مبارك باقتراح مهلة التجميد الجزئي المؤقت لثلاثة أشهر، و استضافة جولة للتفاوض الوهمي، ثم الحديث بكل ثقة عن أن ثمة فرصة سانحة للسلام وأنه في متناول اليد، بالخلاف للوقائع والواقع والتقديرات السياسية الصائبة.

وبدلا من أن يترك العرب رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يعبث بالقضية وبمصيرها، في هذه المرحلة الحرجة من تاريخها، أو يمارس بعضهم الضغط عليه لمزيد من التجاوب مع الإملاءات الأمريكية والصهيونية، لأجندات داخلية خاصة، عليهم أن يمسكوا القضية في يديهم من جديد، لأنها قضية كل العرب، وليس الفلسطينيين وحدهم، فمصيرها يحدد مصير كل المنطقة، ونكباتها ينال منها الجميع قسطهم على كافة الأصعدة، وهذه هي الرؤية التى يجب الإجماع عليها، وإدراكها قبل فوات الأوان، فهذه هي الفرصة الأخيرة الحقيقية التى يجب ألا نضيعها.

ونود أن نذكر بأن الذي يؤمن بمنطق القوة فحسب، والمصاب بجنونها مثل الكيان الصهيوني وحكومتها اليمينية المتطرفة، ومن ورائها واشنطن بتوجهاتهما الاستعمارية المقيتة، المناهضة للمصلحة العربية، لا يصلح معهما منطق التساهل والتهاون والضعف بهذا الشكل المستفز الذي لا يتعامل به سوى العرب مع أعدائهم، ف"ما آخذ بالقوة لن يسترد بغيرها".

ولعل العملية الفدائية التى قامت بها حركة حماس في مستهل تدشين هذه المفاوضات العبثية الجديدة، رسالة بليغة ينبغي أن تتبعها سلسلة من العمليات تقوم بها كل الفصائل المقاومة، لإعادة بعث روح النضال ووحدة الصف وسط جموع الشعب الفلسطيني، ومن ورائه الأمة العربية والإسلامية، وتذكيرهم بأن هذا هو الخيار الذي يجب أن نلتف حوله جميعا، وهذا هو الطريق الصحيح لاسترداد الحقوق، وتلقين العدو درسا صحيحا، مفاده أن صاحب الحق ليس جبانا، ولا يقبل بالتنازل أو الاستسلام، مهما كان الثمن فادحا، والظرف غير موات.

*كاتب صحفي مصري

نقلا عن المركز الفلسطيني