مشاهدة النسخة كاملة : خطر التفسير المصري لمعاهدة العار


أبو فاطمة
01-19-2010, 01:22 PM
أخطار التفسير المصري لمعاهدة السلام
[ 19/01/2010 - 06:10 ص ]
عبدالله الأشعل - الحياة



تُستدعى بين الحين والآخر معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل استدعاءً مبالغاً فيه لتبرير أخطاء ترتكبها الحكومة المصرية، حتى بات التساؤل مطروحاً بشدة: إذا كانت تلك المعاهدة تجلب لنا الموبقات كافة، فلماذا تتمسك مصر بها؟ وتأتينا الإجابة الرسمية حين يؤكد المسؤولون أن مصر لا تطيق تبعات إنهاء المعاهدة لأنها ببساطة تعني فتح باب المواجهة من جديد مع إسرائيل، ثم دخول واشنطن بحكم مذكرات التفاهم الموقعة بينها وبين تل أبيب لكي تنفذ التزاماتها في ضبط السلوك المصري.

فالصورة التي تبدو عليها المعاهدة أمام المراقب بالغة القتامة: معاهدة تبدو أبدية، إن لم يكن بحكم نصوصها، فإنها أبدية بحكم خوف مصر المتزايد من المساس بها مهما انتهكتها إسرائيل، كما أنها صارت فألاً بشعاً عند المصريين لأن الحكومة تبرر بها كل تصرفاتها الضارة بمصالح الشعب المصري. وأصبح واضحاً أن العيب ليس في نصوص المعاهدة، وإنما في غياب الإرادة الوطنية لتوظيفها لخدمة مصر. بل الأدهى أن تتبرع الحكومة المصرية بتفسيرٍ للمعاهدة لا تحلم به إسرائيل. فلا يخلو دفاع إعلامي عن تصرف حكومي من اللوذ بالمعاهدة، وكأن الحكومة تظهر أنها تفضل احترام الالتزامات الدولية حتى لو كانت على رقاب الشعب وضد مصلحته، وأن سلوكها تجاه الشعب هو سلوك المقهور النبيل الذي يفضل أحياناً ألا يبوح بما يعانيه مع إسرائيل فيكتفي وزير الخارجية بالتأكيد على أن هذا السلوك هو من أسرار الدولة العليا التي تمنعها اعتبارات الأمن القومي من البوح بها، والشكوى لغير الله، مذلة ثم أنها من أعمال السيادة لا يحق لأحد أن يطلب من الحكومة تفسيراً لها ما دامت حكومة ديموقراطية وعهد الشعب إليها بالنظر في مصالحه. بل ذهب البعض في تبرير هذه الأفعال بأن مصر طرف في تحالف استراتيجي مع إسرائيل والولايات المتحدة ولا يجوز للشعب أن يلح في تطفله لمعرفة القصة من أولها.

والنتيجة هي أن المعاهدة هي سبب البلاء، وأنها قدر مقدور لا يجوز المساس بها. بل وصل الأمر ببعض القانونيين المصريين إلى القول إن العلاقات الديبلوماسية مع إسرائيل أبدية وأن المساس بها أو تغيرها بتغير المزاج المصري من إسرائيل إلى حد قطعها سيعني فسخ المعاهدة، وهو والعياذ بالله من أشد الكبائر السياسية.

فإذا كان تصدير الغاز لإسرائيل والاتفاق معها سراً ولمدة طويلة وبأسعار متدنية، وفي سبيل تمرير الصفقة واستمرارها «لمصلحة الأمن القومي المصري» تغتصب الحكومة سراً سلطة مجلس الشعب (البرلمان)، انتهاكاً للدستور الذي أقسموا جميعاً بالله على احترامه ورعاية مصالح الشعب والأمة وليس مصالح إسرائيل ومواطنيها. هذه الصفقة التي تجاهلت الحكومة من أجلها قدسية أحكام قضاء مصر للاستمرار فيها، بررتها الحكومة بأنها من التزامات المعاهدة على مصر، على رغم أن الغاز عند إبرام المعاهدة لم يكن قد عرف أصلاً في منطقتنا كسلعة للتصدير، فإن مخاطر هذا الموقف واضحة وأخصها ثلاثة: الخطر الأول هو أن الغاز الذي تحرم منه مناطق عدة داخل مصر، ويحرم منه قطاع غزة الذي يعاني حصاراً إسرائيلياً خانقاً يصدر بأرخص الأسعار لإسرائيل، بينما تعلن الحكومة أنها تنوي استيراد الغاز لعدم كفاية ما لديها في مصر.

أما الخطر الثاني، فهو استمرار استخفاف إسرائيل بمصر والمصريين. والخطر الثالث، وهو خطر عام ينسحب على تصرفات الحكومة كافة إزاء إسرائيل، ويتمثل في أن التفسيرات الرسمية المصرية للتذرع بالمعاهدة تعطي إسرائيل حقوقاً مجانية على حساب مصر، وحتى لو كانت الحكومة تقصد بيع حقوق مصر وسيادتها المهدرة بموجب المعاهدة، فإن الأجيال المقبلة ستدفع ثمناً غالياً لإعادة الأوضاع إلى حالتها الطبيعية، وهي تضييق التزامات مصر في المعاهدة وليس توسيعها لمصلحة العدو.

أما في شأن «الجدار الفولاذي» والاستشهاد بالمعاهدة لتبريره وتصويره على أنه من التزامات مصر تجاه إسرائيل، فهذه قمة المأساة، إذ تبرر مصر موقفها من جريمة حصار غزة مع إسرائيل بالتزامات المعاهدة، على رغم أن المعاهدة نفسها تضع التزامات الأطراف بموجب ميثاق الأمم المتحدة فوق التزامات المعاهدة، والميثاق يوجب احترام حقوق الإنسان وينهى عن التحالف من أجل ارتكاب جرائم الإبادة في غزة، والتواطؤ مع الاحتلال الذي يُعَدُّ جريمة مستمرة، فضلاً عن جريمة الحصار.

بل إن التزام مصر في معاهدة جنيف الرابعة بالعمل على فك هذا الحصار يعلو على أي توافق مع إسرائيل على استمرار هذا الجرم حتى لو تحصن بكل المعاهدات والتحالفات لأن احترام حياة الإنسان وزوال الاحتلال من القواعد الآمرة في القانون الدولي التي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها أو الاتفاق على غير مقتضاها.

إن إسرائيل هي العدو الاستراتيجي للشعب المصري والأمة العربية، والتغاضي عن هذه الحقيقة لا يجوز، والأوْلى هو إعاقة المشروع الصهيوني، كما لا يجوز أن تستمر الحكومة في تقديم تفسيرات وهمية للمعاهدة على حساب المصالح المصرية.


عن المركز الفلسطيني