مشاهدة النسخة كاملة : ثمن التسوية أم ثمن فلسطين أم الإهانة؟


أبوسمية
09-20-2010, 04:16 PM
ثمن التسوية أم ثمن فلسطين أم الإهانة؟

ياسر الزعاترة

في تصريح لافت للنظر نقل عن وزير الخارجية المصري مؤخراً القول إنه "سيصل للفلسطينيين في حال التوقيع على اتفاق سلام مع الجانب الإسرائيلي من 40 إلى 50 مليار دولار، بهدف المساهمة في بناء الدولة الفلسطينية، وكتعويض عن الأراضي التي فقدوها، وفتح المجال أمام قدرة هذه الدولة على الحياة في المنطقة".

لا ندري بالطبع لماذا يطلق السيد الوزير مثل هذا التصريح في هذا التوقيت عشية انطلاق المفاوضات المباشرة بين قيادة السلطة وبين حكومة نتنياهو. هل الهدف هو حث القيادة إياها على التمسك ببرنامج التفاوض، أم لاعتبارات أخرى؟ إذا كان الهدف هو ما ذكرنا، فلا نظن أن القيادة المذكورة بحاجة إلى من يحثها على التمسك بالبرنامج المذكور، وبالطبع لأنها لا تملك سواه، وكم من مرة أجاب كبير القوم عن سؤال العمل في حال فشل المفاوضات إنه سيستمر في المفاوضات لأنه لا يملك بديلاً عنها، الأمر الذي لا يبتعد عن الحقيقة ما دام خيار المقاومة خياراً تدميرياً للشعب الفلسطيني بحسب رأيه. صحيح أن المرجعية العربية غالباً ما تتوفر للرجل، لكن ذلك لا يغير في حقيقة أن وقف التفاوض لبعض الوقت لم يوقف التنسيق الأمني الذي هو التفاوض الحقيقي من أجل جعل السلطة بصيغتها القادمة في حدود الجدار خاتمة "النضال".

هل أوقف القوم التنسيق الأمني خلال مرحلة وقف التفاوض؟ الجواب كلاً، على العكس من ذلك كان يتصاعد ويزداد إخلاصاً ويحصل مرة إثر مرة على شهادات التزكية من طرف الاحتلال.

ماذا يريد الوزير المصري من تصريحه إذن؟ الأرجح أنه يقدم المزيد من شهادات حسن السلوك للطرف الأمريكي لاعتبارات داخلية، ومن أجل الحصول على الضوء الأخضر لقمع المعارضة دون أدنى ضجيج، اللهم إلا بعض تصريحات رفع العتب بين حين وآخر.

لكن ذلك كله لا يغير من أهمية التصريح ولا خطورته، فنحن هنا إزاء حديث عن صفقة تجارية وليس صراع تاريخي بين أمة العرب (دعك من المسلمين) وبين المشروع الصهيوني، وبذلك تتفوق المليارات على القيم والمبادئ، بل على المصالح العليا للأمة.

حين يقول الوزير ذلك، فهو يشجع على تسوية لا تنتمي إلى ما يعرف بقرارات الشرعية الدولية، لأن تسوية من هذا النوع لا تحتاج إلى حوافز مالية، بل يمكن للعرب أن يمولوا مستحقاتها بأنفسهم. أعني تسوية تعيد اللاجئين، إلى جانب دولة كاملة السيادة على حدود الرابع من حزيران بما في ذلك كامل القدس الشرقية.

لكن التسوية التي يتحدث عنها الوزير هي ذاتها التي طالما تحدثنا عنها (دويلة منزوعة السيادة والسلاح في حدود الجدار)، وإلا فما معنى قوله "كتعويض عن الأراضي التي فقدوها، وفتح المجال أمام قدرة هذه الدولة على الحياة في المنطقة"؟.

لم يقل لنا الوزير بالطبع من هي الجهة التي ستدفع المليارات المشار إليها، لكن واقع الحال الذي يعرفه الجميع أنها ستكون عربية المصدر في معظمها، بدليل الضغوط التي مارسها الأمريكان مؤخراً على عدد من الدول العربية من أجل تمويل السلطة بسبب الأزمة المالية التي تعانيها.

والحق أننا إزاء مأساة من العيار الثقيل، فالوزير ينتمي إلى الدولة الأكبر عربياً، وهي عملياً التي تشكل المرجعية لقيادة السلطة، ما يشير إلى خطورة ما يجري بالفعل، خلافاً للمرات السابقة التي كان التفاوض يتواصل خلالها دون التوصل إلى صفقة نهائية، مع العلم أن عدم إعلان نهاية النزاع لا يغير في الواقع شيئاً ما دام سيتحول إلى نزاع حدودي لا أكثر، بينما تنشأ دويلة معترف بها بتلك التفاصيل البائسة.

ثم دعونا نسأل أخيراً: هل هذا هو مصير فلسطين؟ التنازل عن 78 في المئة منها أولاً، ثم إكمال ذلك بتنازلات عن القدس وأجزاء كبيرة مما تبقى؟ جماهير الشعب الفلسطيني والأمة لن تقبل صفقة من هذا النوع، وستكون قادرة على إفشالها، والأيام بيننا.

نقلا عن المركز الفلسطيني