مشاهدة النسخة كاملة : المفاوضات المباشرة خسارة فلسطينية صافية


ام خديجة
09-17-2010, 12:55 PM
المفاوضات المباشرة . . خسارة فلسطينية صافية



http://www.alkhaleej.ae/uploads/gallery/2010/09/15/117557.jpg (http://www.mushahed.net/vb)


من منا يتذكر أنابوليس؟ لا شك أن الفلسطينيين ابتداءً بقيادتهم وانتهاءً بالجماهير، تعرف جيداً هذا المؤتمر الدولي الذي دعا إليه الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، وجمع فيه الرئيس محمود عباس برئيس الحكومة “الإسرائيلية” السابق أيهود أولمرت، من أجل إحياء خارطة الطريق والدفع قدماً نحو التوصل إلى سلام يضمن قيام الدولة الفلسطينية .

هذا المؤتمر الذي عقد في نوفمبر/ شرين الثاني ،2007 لم يكن ليحقق جزءاً ضئيلاً من المرونة والتقدم نحو التفاوض المعلوم، أولاً لأن الانقسام الفلسطيني كان قد مضى عليه وقتها خمسة أشهر، وحينها ذهب الرئيس أبو مازن وظهره مكشوف، بينما ذهب أولمرت من دون غصن زيتون، ومن دون خطة تتحدث عن تقبل “إسرائيلي” لفكرة تحقيق السلام، والأهم أنه مارس سياسة التوسع الاستيطاني بلا توقف .

مع بدء الجولة الثانية من المفاوضات المباشرة في شرم الشيخ يقول الكاتب والمحلل السياسي هاني عوكل إن أنابولس الذي فشل بامتياز، يساوي بالضبط حال المفاوضات المباشرة التي انطلقت أخيراً في واشنطن، ويبدو أن النتائج واضحة سلفاً لعدة اعتبارات، الأول منها أن السلطة بنظر المجتمع الدولي والأمريكان، لا تمثل كل الشعب الفلسطيني، وهذا يعني أنها ليست اللاعب “الأصلي” في التفاوض الثنائي، وثانياً: أن كل الجماهير الفلسطينية بفصائلها وأشكالها المتعددة، مطروحاً منها السلطة وحركة “فتح”، جميعها ضد المفاوضات لأنها تدرك بأنها ليست أكثر من مناورة ستنتهي إلى الفشل إن عاجلاً أم آجلاً .

الاعتبار الآخر يتعلق بالعقلية “الإسرائيلية” التي يبدو أنها لن تتنازل عن ما يقلق محرمات (السياسة والأمن)، وطبعاً تندرج مسائل الاستيطان ويهودية الدولة والقدس ضمن هذه المعادلة، فقد جرى على سبيل المثال تأكيد أحقية “إسرائيل” في موقفها الإيجابي من يهودية الدولة .

أما بالنسبة للاستيطان، فهذا عبر عنه الكثير من قادة اليمين “الإسرائيلي”، بينهم زعيم حزب شاس المتطرف عوفاديا يوسف، الذي تمنى الهلاك للرئيس عباس وشعبه بالطاعون، وربما كان صوت عوفاديا عالياً جداً، لكن هناك الكثير من الأصوات التي تتبنى موقفه .

رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ينتمي إلى ذلك الموقف المتطرف، وهو في كل الأحوال سيوافق على استكمال المخططات الاستيطانية، حتى بعد انتهاء مهلة التجميد المقررة في السادس والعشرين من الشهر الجاري، ذلك أنه سيواجه موقفاً حازماً من مجلس المستوطنات الذي قرر الشروع في التوسع الاستيطاني بعد دفن المستوطنين الأربعة، الذين قضوا في عملية الخليل .

ويرى عوكل أن هذه العملية التي سبقت قمة واشنطن وأدت إلى مقتل هؤلاء المستوطنين، وفرت ذرائع ممتازة لنتنياهو حتى يقول ما يريد عشية انطلاق التفاوض الثنائي . العملية المحسوبة سلفاً والمنتمية إلى “حماس”، تعتبر مؤشراً مهماً جداً على أن هذا التنظيم قادر على إفشال المفاوضات وخلط الأوراق أمام المفاوض الفلسطيني .

ويتساءل عوكل: المواطن الفلسطيني كان في تشوق تام لسماع عودة المقاومة واستدعاء العمليات النوعية، لكن لماذا هذا التوقيت يا “حماس”؟ هذا سؤال مشروع ومن حق أي فلسطيني أن يسأل عن حال مقاومة “حماس” بعد سيطرتها على غزة في منتصف يونيو/ حزيران 2007 .

في عدوان أواخر العام ،2008 أحرقت “إسرائيل” قطاع غزة، وتجولت في أرجائه لعدة أسابيع، وبعدها لم نسمع عن مقاومة “حماس”، حتى أن إطلاق صواريخ المقاومة يتزامن مع اعتبارات تكتيكية، لم تعد تعتمد على استراتيجية المقاومة، بقدر ما أنها تعتمد على موقف سياسي .

يقول الناس في قطاع غزة، إن “حماس” التي تسيطر على القطاع تمنع بقية الفصائل من إطلاق الصواريخ باتجاه البلدات “الإسرائيلية” الجنوبية، وهذا يعني أمرين، الأول أن “حماس” تعتبر نفسها الآمر والناهي في القطاع، ولا تريد لأحد أن يحتكر المقاومة، وأما الأمر الثاني، فهي تريد أن تثبت ل “إسرائيل” بأنها قادرة على ضبط الوضع الأمني، وأن خيوط اللعبة بيدها وحدها .

لقد أرادت “حماس” من عملية الخليل، أن تثبت للمجتمع الدولي بأنها أساس الشرعية الفلسطينية، وأنه لا يمكن استثناؤها من معادلة الصراع، ولا نقول هنا إن العملية غير ناجحة، أو إنها غير مشروعة . بالعكس، نحن بحاجة إلى مثل هذه العمليات التي تهز الأمن “الإسرائيلي” وتسعى لإضفاء أثقال في ميزان القوى المختل لمصلحة “إسرائيل”، لكن أن لا نسمع عن عمليات ثقيلة من هذا النوع لأعوام، ثم نشاهدها فجأة في الأخبار وفي توقيت حساس، فهنا تقع المشكلة .

هذا يعني أن الانقسام يعبر عن نفسه عبر ضرب الأجندات الفصائلية، فأجندة “فتح” على سبيل المثال تقوم على التفاوض من أجل السلام، وهي لا تنسجم مع خط المقاومة مهما علا أو انخفض سقفه، بينما “حماس” تستميت من أجل قتل أجندة “فتح” وتأكيد مشروعية المقاومة .

“إسرائيل” في كل الأحوال وسواء قبل عملية الخليل أو بعدها، عازمة على إفشال المفاوضات الثنائية، في ظل موقف أمريكي شبيه بدور الرباعية في عملية التسوية . أي أنها “إسرائيل”، معنية بعدم التوصل إلى سلام وفق السقف الزمني الذي حددته الولايات المتحدة لمدة عام، وهي في حقيقة الأمر، أفشلت انطلاق المفاوضات ساعة ابتدائها .

كيف ذلك؟ الآن هناك مبرر “إسرائيلي” زائد للقول إن الاستيطان لن يتوقف، طبعاً عملية الخليل وفرت الذريعة ل “إسرائيل” من أجل ابتداء الحرب العدوانية على “حماس”، وبالتالي محاسبة السلطة على قصورها الأمني في تأديب المقاومة، والتمهيد لإفشال المفاوضات وتحميل الطرف الفلسطيني مسؤولية تعثرها .

“شاهد ما شافش حاجة”


نتنياهو كان صريحاً زيادة عن اللزوم، ليقول على طاولة إعلان التفاوض المباشر وأمام وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون، بأنه يقابل موقفه الإيجابي من قيام الدولة الفلسطينية، بحسم الموافقة الفلسطينية على يهودية الدولة، وتحييد القدس من التفاوض، وغيرها طبعاً من المسائل المختلف عليها بين الطرفين .

الولايات المتحدة متفهمة لحاجة “إسرائيل” الأمنية، ولذلك فإن دورها ليس أكثر من “شاهد ما شافش حاجة”، هي قالت موقفها بأنها ليست شريكاً بل طرف ثالث لا يلزم الطرفين الأول والثاني على القبول بشروط معينة .

إذن، يبدو أن المفاوضات فاشلة ويوماً من الأيام سنسمع عن فشلها الرسمي، وأما الطرف الفلسطيني فهو الخاسر في كل الأحوال، في انقسامه ومفاوضاته وأرضه وقدسه وقضيته، وأما “إسرائيل” فهي التي تستهلك الوقت وتُفشل المفاوضات، من دون أن تتنازل عن شيء .

الحل “الإسرائيلي”


المسألة التي يجب الوقوف عندها اليوم كثيراً هي: لماذا تجند “إسرائيل”، معسكراً بهذا الحجم لمفاوضات لم تحاول هي أن تقدم من أجلها شيئاً إلى الآن؟ مثلاً هي لم تسع للوصول إلى أية صيغة مع إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما لتسهيل مهمة الذهاب على الرئيس عباس للمفاوضات لدرجة أن الرئيس عباس قال أخيراً بما معناه بأنه “يطارد شبح السلام”، أذهب للمفاوضات حتى لو كان الأمل بالاتفاق واحداً في المئة . و”إسرائيل” لم ترسل إشارة واحدة عبر المبعوث الأمريكي السيناتور جورج ميتشل، بحسب تصريحات جميع المسؤولين الفلسطينيين بأنها على استعداد لتنفيذ بعض من مطالب السلطة ولو بعد حين . الواقع بأن “إسرائيل” اختارت “طريقتها”، بنية وخطة مسبقتين . باختصار، “إسرائيل” ترى بأن هنالك “فرصة”، بعد عشر سنوات من كامب ديفيد، بأن تفرض حلاً على الفلسطينيين رفضوه سابقاً، وهي تريد استغلال هذه “الفرصة” التي قد لا تتكرر لها أبداً، لفرض تصورها للحل النهائي على الشعب الفلسطيني . . وتعنت نتنياهو، وفرضه للمفاوضات المباشرة على السلطة يأتي في سياق تهيئة الأجواء لفرض الحل “الإسرائيلي” على الفلسطينيين بتأييد دولي وإقليمي “معتدل” . خلالها ستمارس كل أنواع الضغوط، وليس المقاربات السياسية، لإجبار الفلسطينيين على التوقيع وإنهاء ملف القضية الفلسطينية من جدول الأعمال الدولي والإقليمي بالحصول على “شرعية” التسوية، دولياً وإقليمياً، وتحت الضغط والإكراه فلسطينياً .

ويقول ياغي: أسئلة كثيرة هنا، أهمها: لماذا ترى “إسرائيل” بأن الفرصة مواتية؟ ما معالم الحل “الإسرائيلي”؟ وهل يمكن للسلطة الفلسطينية أن تصمد كما صمد الراحل عرفات؟ وهل يمكن تمرير الحل فلسطينيا؟

الفرصة مواتية “إسرائيلياً” لأسباب عديدة، معالمها قد لا يكون عليها الكثير من الخلاف: الانقسام الفلسطيني وهو انقسام عمودي وأفقي أيضاً . بمعنى انقسام بين القوى السياسية الفلسطينية وفي داخل الشعب الفلسطيني أيضاً . “حماس” و”فتح” ليسا تنظيمين صغيرين، جماهيرهما تكون الغالبية العظمى من الشعب الفلسطيني . الانقسام والعداء المتبادل أفقد الفلسطينيين أحد أهم مصادر قوتهم . “إسرائيل” سعت لذلك، وساعدتها الإدارة الأمريكية وبعض العرب للحفاظ على أجواء الانقسام وتعميقه أيضاً . غزة بقيت محاصرة، والديمقراطية الفلسطينية، أحد مصادر قوتهم، تم إجهاضها . منظمة التحرير ومؤسساتها تم إفراغها من أي محتوى وتم إلحاقها بالسلطة، وبعد أن كانت الأولى مسؤولة عن الثانية وقادرة على حلها إذا لزم الأمر، أصبحت السلطة بما تمثله من إمكانات تنظيمية ومالية الممثل الفعلي للشعب الفلسطيني في المنطقة التي يجري الصراع عليها وهي الضفة الغربية بما فيها القدس، وكان من نتائج اختفاء المنظمة الفعلي، في الفهم “الإسرائيلي” لما حدث على الساحة الفلسطينية، أن أحد ملفات الحل النهائي قد سقط من جدول الأعمال فعلياً وهو ملف اللاجئين . وفي الرؤية “الإسرائيلية” أيضاً، أن عملية إعادة بناء مؤسسات السلطة التي ابتدأت بخطاب الرئيس بوش في يونيو/ حزيران 2002 تحت مسمى “إصلاح المؤسسات الفلسطينية” حتى يستحق الفلسطينيون دولة خاصة بهم، قد قطعت شوطاً كبيراً لا يمكن حتى “لأعمى” ألا يلاحظه، خصوصاً في الجانب الأمني وهو ما يهم “إسرائيل” . اليوم وبالرغم من عمليات “حماس” الأخيرة فإن “إسرائيل” أكثر أمناً من أي وقت مضى منذ اتفاق أوسلو .

إن هدف السلطة من “الإصلاح” الأمني كان إرسال رسالة لأمريكا وأوروبا و”إسرائيل” بأنها معنية بأمن “إسرائيل” إن كان ذلك هو الاستحقاق الذي لا مفر منه لإنهاء الاحتلال عن كامل الأرض المحتلة، وبأنها شريك جاد وقادر على تنفيذ الاستحقاقات المطلوبة منه إن كان لدى أحد في العالم شك في ذلك . لكن الرؤية الفلسطينية، تعادلها رؤية “إسرائيلية” مختلفة تماماً . “إسرائيل” ترى بأن “التقدم” في الملف الأمني قد حقق لها العديد من المكاسب . منها عدم وجود ضغوط مباشرة تجعل من احتلالها عملية مكلفة، وأن التنسيق الأمني حقيقة واقعة ومستمرة لا يحاول الجانب الفلسطيني إخفاءها، ومن تبعات ذلك، في الرؤية “الإسرائيلية”، أن عملية “الإصلاح” الأمنية قد رافقها تغير في “القيم” و”المفاهيم” الفلسطينية، فالمقاومة لم تعد “قيمة” ثابتة لا خلاف عليها فلسطينياً كما كان عليه الحال منذ الاحتلال، بل أصبحت في أحسن الأحوال موضع “شك”، وحل محلها “قيم” اقتصادية واضحة لكل مراقب لهذا الصراع . ومن جملة الأسباب أيضاً، أن ملف الاستيطان قد سقط أيضاً من جدول أعمال المفاوضات النهائية، ليس لأن السلطة لا تطالب بوقف الاستيطان ولا لأنها لا تعتبره أحد أهم ملفاتها، لكن لأن “إسرائيل” قد ضمنت مسبقاً استمرار استيطانها بالقدس، وبأن جميع كتلها الاستيطانية والشوارع المؤدية لها في الضفة ستبقى في مكانها وأن ما سيتم التفاوض عليه هو تلك النسبة التي ستقدرها “إسرائيل” بأنها “منصفة” كتعويض “مناسب” لما ابتلعته من الأرض الفلسطينية . والحل هنا كما تراه “إسرائيل” هو توسيع قطاع غزة قليلاً كنوع من التعويض . أما الحدود فلقد رسم الجدار معالمها، ويمكن تحريكه قليلاً هنا أو هناك لإرضاء الجانب الفلسطيني وبما لا يلغي مشروع الحل “الإسرائيلي” . بقيت القدس، وهو الملف الذي قد يفجر المفاوضات كما حصل في كامب ديفيد سابقاً، لكن لا يمكن الاستهانة أو التقليل مما تحمله “جعبة” نتنياهو من حلول “ذكية” لهذا الملف قد تكون قد حصلت مسبقاً على مباركة عربية لها .

هل يمكن تمرير حل “مفروض” على الشعب الفلسطيني؟ في الحسابات “الإسرائيلية” المطلوب شرعية دولية وإقليمية للحل . . “إسرائيل” تعلم أن “تسوية” قائمة على الإكراه والابتزاز لا يمكن أن تكون لها شرعية فلسطينية وسيتم مواجهتها على الأقل من جميع المعترضين على المفاوضات الحالية . لكن “إسرائيل” تعتقد، وهي محقة هنا، بأن الشرعية الدولية والإقليمية للحل كافية والى حد بعيد لتغيير محتوى الصراع وشكله لمائة عام قادمة .

نقلا عن دار الخليج