مشاهدة النسخة كاملة : عندما يكون الولاء للوطن: سفراء لموريتانيا...ووزراء سابقون لها


ابن تيارت
09-15-2010, 05:32 PM
عندما يكون الولاء للوطن:
سفراء لموريتانيا...ووزراء سابقون لها...


منذ أن تبنـّى الرئيس محمد ولد عبد العزيز خطابا مضادّا للفساد والمفسدين, ووضع محاربة الفساد على رأس أجندة العمل الحكومي, بدأ التنافس للقفز في عربة الشفافية, والنظافة والنزاهة على أكثر من صعيد. وأصبحت كلمة "الفساد" هي العنوان العريض على صفحات المواقع والصحف الوطنية...وحيث تيمّم المرء يراها منتصبة أمامه...بمعنى أن الرئيس قد حرك فعلا بتصميمه وعزمه السكون فى الساحة,ونفض الغبار عن الفساد,والقى بحجرة ناصعة فى الماء الراكد للحالة العامة فى البلاد.

وفي السياق, قرأت كمـّا هائلا من المقالات والتعليقات التي تناولت الفساد بالنقد والتحليل, ووجدت فيها الكثير من المتعة والطرافة والحقائق (تارة), وأنواعا دون ذلك من الألعاب الإعلامية والمواضيع الصحفية...الخائبة" (تارة أخرى)...والذي استوقفني منها على وجه الخصوص هو ما جادت به قريحة أحد القوم من إساءة صريحة لعدد من السفراء (وزراء سابقين) بالأسماء, وتوجيه اتهام مبطّن لهم بالفساد دون تقديم أي دليل أو برهان.
في الواقع , ليست هذه أوّل مرّة نسمع فيها أطروحات من قبيل أن "كلّ من شغلوا منصب وزير في العهد السابق...هم فاسدون ومفسدون". لقد تعرض هؤلاء –قبل هذا- لحملات تشويه وسبّ وشتم متواصلة حاولت النيل من أعراضهم, وقتلهم معنويا, وعزلهم اجتماعيا, وإقصائهم سياسيّا, وحرمانهم وظائفيا. تكالبت ضدهم الأقلام وتطاولت عليهم الأقزام وانبرت في تصويرهم على أنهم يؤخرون ولا يقدّمون , وأنهم يرمزون إلى كهوف الماضي, ويناهضون التقدم والبناء , وأن لا مستقبل لهم ولا محلّ لهم من الإعراب في موريتانيا الجديدة..." ولكنها لم تفلح تماما في أن تنال من سمعتهم وائتمانهم للوطن. كما أنّها لم تقدّم دليلا ملموسا يمسّ نزاهتهم أو سلوكهم الشخصي بعد مسلسل من التحريض ضدهم , وتعبئة الذاكرة الشعبية بصورة مستمرّة على تشويه صورتهم وترسيخ في عقول الناس أنهم "الفساد بذاته"!
واليوم, فإني أرى في الصفحة المسيئة للسفراء (الوزراء السابقين) وأنا واحد منهم فرصة للمشاركة في النقاش وإبداء بعض الملاحظات حول العلاقة بين الأنظمة والرّجال (عمومية النظام وخصوصية الفرد), والتواصل بين الأجيال, والنّهج السّليم في محاربة الفساد والمفسدين استنادا إلى خلفية دينيّة وتاريخية, وتجارب عالميّة , وحقائق اجتماعية وثقافية . وذلك دعما وتأييدا للجهد الوطني, المناهض للفساد وخصوصا في ظلّ تعاظم الوعي الرسمي والمدني بضرورة التماسك الوطني لتحقيق منجز على هذا الصعيد.

الخلفية الدينية: كيف تعامل الإسلام مع الرجال...وهم قادمون من الجاهلية ؟
تسهيلا للعرض وتقريبا للأذهان, دعونا نفترض معًا ونسلّم جدليًا بحقيقة أن الأنظمة الموريتانية القديمة وبخاصة النظام السابق كانت في غاية القصور والفساد إلى حدّ مقارنتها بالعهد الجاهلي (قبل الإسلام), ثم نطرح سؤالا : كيف لموريتانيا الجديدة أن تتعامل مع من كانوا وزراء , أو سفراء , أو ضباط سامين, أو ولاة...في العهد البائد؟.
لا جدال في أن أعظم ثورة وإصلاح وتنوير وتصحيح وإنقاذ في الأرض عرفه التاريخ تتمثـّل في ظهور الإسلام حيث كانت الجاهلية على أشدها وجهلها وجهالتها وظلمها وظلماتها وفسادها وإفسادها تتحكم في كلّ مفاصل الحياة السياسية والتجارية والثقافية والاجتماعية...ولكن هلاَ تساءلنا يوما كيف واجه الإسلام ذلك الإرث المرير؟ كيف أسسّ دولته وإدارته ؟ كيف تعامل مع الرّجال ؟ كيف كانت مقاربته للموارد البشرية ؟ لو أننا تساءلنا, ولوجدناه قال : "خيّاركم في الجاهليّة, خيّاركم في الإسلام, إذا فقهوا ". وفي رواية : "تجدون الناس معادن, خيّارهم في الجاهلية , خيارهم في الإسلام , إذا فقهوا". والمقصود هنا أن للناس طباعا وأخلاقا خاصّة تختلف من فرد إلى فرد كما أن المعادن لها خصائص أساسيّة تمّيز أحدها عن الآخر. وتلك الطباع والأخلاق الأساسية كالنزاهة والنخوة والتعفف مثلا, إنّما تنشأ مع الفرد منذ نعومة أظافره , بل قبل ذلك , هي من الطبّع والفطرة التي تولد مع الفرد , ثم تغذيها العائلة وأعراف المجتمع...ولربّما (من يدري؟) كان في الوزارات السابقة رجال ونساء ممّن حسنت أخلاقهم الأساسية وامتلأت نفوسهم بمعاني الوطنية والإخلاص, وكانوا (ربّما) يحسبون حسابا لكرامتهم وشرفهم والعِرض عندهم فوق المال. هؤلاء , إن كانوا موجودين وصحّ أنهم "فقهوا" معاني الإصلاح والبناء والتقدم والرّشاد والتجديد , وانخرطوا عمليّا في الكفاح المقدّس ضد الفساد والتلاعب بمقدّرات الدولة ...فعلى ماذا يحاسبون ؟ وبأي ذنب يُشتمون ؟ وقد جاء في صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود أن رجلا قال : "يا رسول الله, أنؤاخذ بما عملنا في الجاهليّة ؟ قال : من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية , ومن أساء أُخذ بالأول والآخر ".
على هذا النهج الحكيم والدرب القويم, تمّ بناء نظام حكم مستقيم ومنهج إداري سليم, جنّد كل الطاقات وحاز كل الكفاءات دون تمييز, وأعطى لكل ذي حق حقـّه في التوظيف والرّقي بمقدار ما عنده من خبرة وتجربة ومهارة دون انفصال أو انفصام في مسار الناس. هكذا –مثلا- لم يرمي خالد بن ا لوليد سلاحه ولم يُسأل أين كان يوم أحد...ولم يهجر عبد الرحمن بن عوف تجارته...ولم يتخلّى حسان بن ثابت عن شعره ولم يُسأل عن قصائده لملوك آل غسان...بل استمرّ كل منهم فيما يُتقنه من عمل وفن : هذا في الجيش, وذلك في الاقتصاد. والآخر في الدعاية (وقد قال رسول الله (ص) لحسان بن ثابت:"لشعرك أشد عليهم من وقع النبل").
ثم استمرّ نظام التوظيف على أساس "القوة والأمانة" لقوله تعالى : "إن خير من استأجرت القوي الأمين", وعلى أساس "الحفظ والعلم" لقوله تعالى "اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم". وكلّها أسُس ومعايير قائمة على الخبرة والكفاءة والمعرفة والإخلاص والثقة والنزاهة.
ومرادي هنا, هو التنبيه إلى أن لكّل فرد قيمته الشخصية والخاصّة به, وأن الصعود في الأنظمة السابقة حتى ولو كانت "فاسدة" و "جاهلية" لا يمنع من الخدمة والتقدم في الأنظمة الجديدة والداعيّة إلى الإصلاح. فلا يظنّنّ أحد أنّني أزعم بأن جماعة السفراء (الوزراء السابقين) هم خيار القوم أو أننّي أزكيهم دون غيرهم من رجال الوطن الفضلاء وأبناءه النّبلاء. كلاّ !ثمّ كلاّ ! هي فقط حقائق نستلهمها من ديننا الحنيف الذي به صلاح أمرنا وأحوالنا ورشاد سلوكنا. وهي الحقائق ذاتها التي نستخلصها من حركة التاريخ ومسار الأمم والشعوب.

الخلفية التاريخية: القطيعة بن الأجيال تعني البدء من الصفر
إن حياة الأمم بأركانها الثلاثة : الماضي والحاضر والمستقبل... سجل واحد ومسيرة واحدة...لا تقبل الانفصام والانفصال. ويشهد التاريخ على أن الخير كلّه في تعانق وتضامن الأجيال, وأن السوّء كلّه في التدابر والتعارض بينها , إذ لا مصيبة في التاريخ أعظم من أن "تأتي كلّ أمّة فتلعن أختها". ولقد ذقنا –هنا في موريتانيا- مرارة ذلك لمّا وقع الانقلاب الأول وجاء بأمة جديدة جعلت التاريخ يبدأ من 10 يوليو 1978 وكلّ ما كان قبلها حسبته ضياعا وظلمًا وفسادًا. ثم جاء الانقلاب الثاني وأعلن كسابقه عن بداية جديدة للتاريخ في اليوم 12/12 , وجعل كلّ ما كان قبل ذلك جهلٌ وتخبطٌ وخواءٌ لا قيمة له في ميزان الأيام...وفي كل مرّة تأتي أمّة جديدة , فتلعن التي قبلها, و تهيّئ الظروف والأجواء لتُلعن هي ممّن بعدها, واستمرّت دوّامة اللعن والتلاعن ...وبقي المواطن الموريتاني حائرا , غضبان, أسفا. وكأنى بصاحب مقال "حكومة المنفى" يوّد لو أن الرئيس محمد ولد عبد العزيز وقع في نفس الأخطاء, فيلْعن ويقاطع ويحارب جيلاً كاملا...دون تبصّر أو تريّث. أو كأنى به يريد أن تكون رئاسته حلقة بلا سلسلة, أي حلقة فارغة ومفرغة, لا تتصل بماضي, ومن ثمّ لا حاضر لها ولا مستقبل. لأن التاريخ لا يقبل التجزئة والانقطاع..بل هو حلقات متتالية من سلسلة واحدة.
قد يعللّ البعض هذا الكلام بالقول إن لكل زمان أمة ورجال, بمعنى أن كلّ أمة مدعوة إلى صناعة واقعها بيدها بغض النظر عن سائر المؤثرات الأخرى. وهذا صحيح, ولكنه في الوقت ذاته ليس دعوة إلى الانفصال التاريخي, وإنّما هو تحذير من التماثل أو الاكتفاء بصياغة الماضي وإعادة إنتاجه. فلا أحد يقول باعتماد الماضي مطلقا والبقاء عليه ومتابعته خطوة خطوة. فبين القطيعة والتماثل... حالة وسط هي التواصل الرشيد الذي يشترط الرشد في الاقتباس من الأجيال, بمعنى أن نأخذ من كل جيل, بل من كل مدرسة, بل من كل حقبة وتجربة, نقاط قوّتها وفوائدها المتوافقة مع توجهات اليوم حتى تكون ذخيرة لنا في بناء الحاضر والمستقبل. هذا هو منطق التاريخ, وهو منطق العقل كما يتبنّاه الرئيس ولد عبد العزيز,وإنّي لأرى في بعض التعيينات رسالة واضحة, مفادها أن : لا حرب على أشخاص بذاتهم ! ولا حرب على جيل بنفسه ! ولا حرب على حقبة مخصوصة ! , وإنّما هي حرب على الفساد والمفسدين, بالاستناد إلى كل الطاقات و الكفاءات من كل الشرائح والأجيال والفئات.

منطق العصر : التّلاقي التواصل والتضامن والانفتاح ؟
وهو منطق مفهوم لدى الشعب الموريتاني الذي كرّس بإرادته شوطا ثانيا في انتخاب الرئاسة للعام 2007 بين وزيرين سابقين في حكومة قديمة أطيح بها قبل ثلاثين سنة , ليتقاسما بينهما مجموع أصوات الناخبين (100%) ,لأن شعبنا لا يعرف الضغائن والكراهيّة والبغضاء والانتقام, وهو اليوم يعيش تجربة أخرى يتكامل فيها الشباب الفائز بالرئاسة والحكومة (2009) بطموحه المعهود وحماسه وحيويّته واستعداده وقدرته على العطاء ورفع التحديات مع وزراء سابقين على رأس الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ والمجلس الدستوري وغير ذلك من مؤسسات الدولة وما في جعبتهم من تجربة وحنكة وسلاسة وتبصّر,وقبل هذه وتلك, لقد سجل التاريخ مشاركة عدد من الوزراء الأفاضل والمعروفين بالشرف والعز والشهامة والكرامة فى أكثر من حكومة,مانحين دعمهم لأكثر من رئيس للجمهورية مؤكدين بذلك ولاءهم للوطن واستعدادهم لخدمته.
هكذا فعل الطود الشامخ المغفور له إنشاء الله حمدى ولد مكناس والرئيس سيدى محمد ولد الشيخ عبد الله,باروعبدالله,أحمد سيدى بابا وغيرهم.
وإذا ما نظرنا إلى العالم من حولنا فسوف نجد أن ظاهرة التلاقي هذه والتناغم بين مختلف الأجيال والأعمار والمشارب والفئات أصبحت ظاهرة كونيّة ومنهجا متبّعا في الحكم والإدارة. هكذا مثلا نجد وزيرا من حكومة "بوش" مستمرّا في وظيفته مع الرئيس "أوباما" , ونجد وزراء من "اليسار" في حكومة "سركوزي", وفي أستراليا مؤخرّا حدثت أمور عجيبة في هذا المعنى , وفي إيطاليا, وإسبانيا, إلخ... حتّى أن التناوب بين الرؤساء لم يعد يُحرَك إلاّ المئات من المعاونين المقرّبين والموظفين الأساسيين بعدما كان في الماضي يشمل الآلاف . هكذا هو العالم اليوم, لا محلّ فيه للإقصاء والتعصّب والحميّة العمياء والإثارة.
وفي نفس السياق, كنت أودّ أن ألفت انتباه صاحب المقال (وزراء سابقين,,, سفراء) إلى أن كلمة "المنفى" التي وردت في خطابه لم يعد لها محل في قاموس اليوم, وفي ظلّ العولمة الزاّحفة والتطور الهائل لوسائل الاتصال والنقل عبر القارات . فالسفراء يعيشون أوضاع بلدهم ويحاولون تقديم ما يستطيعون داخليّا وخارجيّا من خدمات ومشاركة ...فلا يحسبنّ أحد أنّهم هكذا شاغلو وظيفة, أو أنهم مبعدين, أو أن تعيينهم يحتمل نوعا من العقاب ضدهم, أو أن النظام مصلح في الداخل...ومفسد في الخارج... أو أنه لا يعي ما يفعل...فهذا كلّه هراء ! وكذلك الحديث عن "سفراء فلان ... ووزراء لفلان" ... كلام فارغ لا يقدم ولا يؤخر. فالسفراء سفراء لموريتانيا , والوزراء وزراؤها, والولاء كلّه لها. هكذا كانوا بالأمس. وهكذا هم اليوم. وهكذا سيكونون غدىً إن شاء الله, وفي اعتقادي أن إضافة سفير أو وزير لرئيس بذاته ظلم وتجاوز في حق المضاف والمضاف إليه , واستخفاف بشأن الوطن.
ذلك أن الرؤساء لا يريدون السفراء والوزراء لأنفسهم أو لذواتهم , وإنّما يحمّلونهم مهام وطنيّة. فالعلاقة بينهما كلّها للوطن ومن أجل الوطن. لا مكان فيها للعواطف و"الشخصنة" والمصالح الخاصّة والأغراض الذاتية , ونحو ذلك ممّا قد يحتمل الزبونية , أو العمالة, أو المن والأذى, أو التبعيّة المطلقة. وخارجا عن نطاق الوظيفة والعمل, قد تنشأ علاقة تقدير واحترام واعتبار متبادل ووفاء لحق المعرفة والتعاون بينهما, وقد تبقي وقد لا تبقى ...فتلك أمور شخصيّة تعود إلى مزاج الفرد وسيرته وأخلاقه وسلوكه الخاص وليست من السياسة العامة في شيء...

العلاقة بين الفرد والنظام (خصوصيّة الفرد وعموميّة النظام)
صحيح أنّ لكل نظام سياسي مساره العام بقوّته وضعفه ونجاحاته وإخفاقاته, وأفراحه وأحزانه, وأخلاقياته...يشرّفه أو لا يشرّفه. وصحيح أن الوزراء والسفراء يحسبون على النظام ولهم ما لهم من حسناته وعليهم ما عليهم من أوزاره وسّيئاته ... إلاّ أن لكّل وزير أو سفير مساره الخاص داخل النظام. قد يشفع له وقد لا يشفع له أمام التاريخ. ويتمثل ذلك في أدائه الشخصي وسلوكه وإخلاصه وأمانته وكفاءته ومهارته وأخلاقه بغض النظر عن الأداء العام للنظام. ولا يجوز في اعتقادي الحكم على الفرد إلاّ من خلال مساره الخاص, لأن النظام لا يحسب على فرد بذاته ولا مجموعة من الأفراد. النظام مرتبط بمنظومة قوانين ونصوص ومؤسسات وهيئات وسيّاسات تتحكّم في المجتمع وأفراده وموارده كافة استنادًا إلى سلطة مخوّلة بما يكفي للدّلالة على قوّة النظام وهشاشة غيره. ولذا قلت إن الفرد يحسب على النظام ولكن النظام لا يحسب على الفرد. بالضبط مثل فريق كرة القدم : لكلّ لاعب قيمته ومستواه من اللياقة والأداء, وللفريق مستواه العام, فمثلا- سامييل إيتو- يحسب بالتأكيد على فريق الكامرون , مع أن مستواه الشخصي يفوق بكثير المستوى العام للفريق. ولكن الفريق لا يحسب على "إيتو" . فهناك مجموعة لاعبين ومدّربين وبرامج تأهيل وخطط وسياسيات وإمكانات" تشكل بمجموعها " نظام الفريق". فالفرق واضح بين اللاعب والفريق وبين الفرد والنظام. وكذلك في الأنظمة الفاسدة,,, لا يحسب الفساد على فرد بذاته إلاّ في حال ثبوته عليه بالأدلّة والبرهان. قبل قرون من الزمان, قال الخليفة علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه :" لو كان الفقر رجلا لقتلته"! مدركا أن الفقر مرتبط بنظام اقتصادي ينتجه ويعيد إنتاجه. أما نحن , فنقول : "لو كان الفساد رجلا لقتلناه". ولكن الفساد ليس برجل...ليس بوزير أو سفير...حتى نقتله. فقتل البعوض بعوضة بعوضة لا يجدي شيئا ضد الملاريا , إن لم نتوفـّر في الوقت ذاته على تجفيف "المستنقع". فلنولّي وجوهنا شطر "الفساد" بصفة كونه نظاما ومؤسسة وثقافة ونمط عيش وتفكير... "الفساد" في بلادنا أكثر من ظاهرة يمكن الوقوف عندها, وأكثر من عادة غير حميدة بالإمكان الإقلاع عنها بشيء من الجهد وبشيء من الترهيب والترغيب ...بل أصبح طبعا راسخا ومترسّخا في حياة الغالبيّة العظمى من النّاس... وأخطر ما في أمره هو تقبّل المجتمع له كمنهج للحكم والتسيير حتى باتت النزّاهة والتعّفف مدعاة للاستغراب والالتزام مظهر خلل لا دليل على العقل.
ومع ذلك يظل الفساد من الكلمات التى لايحب أحد أن ينتسب إليها ,وتظل النزاهة
من الكلمات التى يدعى كل بها وصلا ,و يحاول أن يلتصق بها وينسبها لنفسه بحسبانها فخرا وأمرا علويا ينبغى التصاعد نحوها.فهى مطلب فطرى للإنسان السوى الذى يرى نفسه دوما محتاجا كما يقول"نيتشه"إلى <<قدر من ذلك الطمع بالشرف والإعتبار,والإشعاع النير لحسن الصيت>>. فمن الطبيعى إذن أن يحاول كل إنسان عاقل أن يلتصق بالنزاهة والوطنية والإستقامة وأن ينسبها لنفسه بما تيسر له من الموضوعية والصدق والإبتعاد –قدر المستطاع- عن تزكية النفس. ولكن من غير الطبيعى أن ينسب المرء لنفسه المجد والفخر والنزاهة ثم يعمد-ببساطة-إلى سب الآخرين وشتمهم واتهامهم بالفساد واختلاس المال العام دون وجه حق.ذلك أن احترام الآخرين هو أيضا من الأمور السامية كالنزاهة والإستقامة التى ينبغى التصاعد نحوها.بل إن محاولة النيل من أعراض الناس لن تكسب صاحبها فخرا ولا مجدا,ولن تمنحه وسام شرف أو نزاهة ...قد لاينتبه لهذا المعنى صاحب (حكومة المنفى) وغيره من الكتاب والمحللين والمعلقين فينزلقون سهوا أو عمدا نحو السب والشتم والتشكيك فى نزاهة الآخرين دون دليل أو برهان.
وقد لايدركون أنهم بذلك إنما يسيؤون إلى الحرب على الفساد والمفسدين التى تستوجب منا جميعا إلتزام الصدق والعدل والإعتدال حتى نحفظ لها معناها الشرعى النبيل,وهدفها التنموى الرشيد,وبعدها الخلقى الرفيع, الذى أراده لها مفجرها وقائدها,السيد الرئيس محمد ولد عبد العزيز.
- يتواصل بإذن الله –

محمد فال ولد بلال
سفير فى قطر, وزير سابق