مشاهدة النسخة كاملة : إشراقات شنقيطية الحلقة السابعة "شنقيط وأخواتها ... قوالب للثقافة"


محمد فاضل بن أحمدو
09-12-2010, 08:56 PM
الحلقة السابعة
شنقيط وأخواتها قوالب للثقافة


انتهي حكم دولة المرابطين السياسي - حسب أغلب الباحثين[1] -بموت الأمير أبي بكر بن عمر سنة 480هـ 1087م لكن الجانب الثقافي لهذه الدولة قد تأخر عن ذلك بحكم البنية الصلبة التي أسسها ابن ياسين ثم الحضرمي والأموي ثم جاء من بعدهم جيل آخر من العلماء انطلقوا من الأسس نفسها لكنهم عمقوا التجربة وأضافوا في المنهج واتخذوا المسجد مؤسسة دائمة لتدريس العلم وأخذه، كالشريف عبد المؤمن بن صالح[2] والحجاج الثلاثة عثمان الأنصاري وعلي الصنهاجي وعبد الرحمن الصائم[3] وغيرهم من العلماء الذين وفدوا على هذه الأرض من بلاد شتى ولأسباب مختلفة وفترات متفاوتة في وقت شهدت فيه منطقة الصحراء استقرارا أمنيا – نسبيا – ورخاء اقتصاديا كبيرا بفضل الحركة التجارية النشطة التي عرفتها المدن الصحراوية مدة قرون عديدة ظلت فيها هذه الحواضر تمثل جسر التواصل بين بلاد المغرب العربي وبلاد السودان، لكن حقبة " ما بعد المرابطين " هذه كانت لها نصيب الأسد من النسيان والحذف من ذاكرة التاريخ ولذلك فقد درج الباحثون على الحديث عنها من خلال المدن الأثرية التي ظلت تشكل ثوابت تاريخية صادقة تقاوم عوادي الزمن وتتحدى إهمال المؤرخين وغفلة مثقفي هذه البلاد عن أهمية تدوين الأحداث التاريخية والسّير الذاتية .

عرفت الصحراء عددا من المدن التي كان لأهلها دور كبير في نشر العلم في ربوع المنطقة لكنها اندثرت ولم يبق منها سوى رسوم دارسة وحفريات غائرة مثل " آبير أودغست وكومبي صالح وغانا " فهذه المدن قضت عليها الأزمان وتعاقب الملوان فأصبحت " كألم تغن بالأمس " لا تدرك لها حقيقة شأنها كشأن ديار بن أحمد يورة التي يقول فيها :

على شط نهر الخيل بين الحدائق * منازل أقوت من مشوق وشائق

أرَبّتْ بها الأنوار تجزي بقائد * من المزن في أنف الجنوب وسائق

فأصبحن لم تدرك لهن حقيقة * ومن عادة الأيام قلب الحـقـائق

تحدث بعض المؤرخين عن هذه المدن المندثرة ، وكون الخيال الشعبي عنها قصصا ما زالت تداول إلى اليوم ، لكننا سنضرب صفحا عن ذكر كل ذلك ونختصر في حديثنا على مدن مازالت حية تقاوم نكبات الزمن وآفات التصحر وهي "ولاته ، شنقيط ، وتيشيت ، وادان " فهذه المدن الأربع ما زالت إلى اليوم تعطي صورة واضحة وتشهد شهادة حقيقية على النهضة العلمية والأدبية التي شهدتها المنطقة طيلة عدة قرون، وبلغت ذروتها في القرن 13هـ وانطلقت شرارتها من المدن نفسها قبل عشرة قرون بفعل التراكمات الثقافية الهائلة التي تبرهن عليها آلاف المخطوطات الثمينة وعشرات الكتب النفيسة النادرة، والآثار العمرانية التليدة، ولا تزال الذاكرة الشعبية تتوارث بعض الأسماء التي شارك أصحابها في بناء هذه المدن وكان لهم دور في تشييد هذا الصرح العلمي فيها، فحفظت أسماءهم قصص البناء التي خلدتها الآثار العلمية والعمرانية .

1 – مدينة تيشيت :

تقع مدينة تيشيت في الشمال الشرقي من العاصمة انواكشوط على بعد (850)كم تقريبا في ولاية تكانت وتبعد من عاصمة الولاية " تجكجة " 250كلم وهي إحدى مدن الواحات ومحطات القوافل – في القديم- وارتبط ازدهارها بموقعها كمحطة لتنظيم العلاقات التجارية بين شمال الصحراء وجنوبها (( حيث كانت تمر بها طريق قلم ، ولاتة ، تينبكتو ، توت ، فزان ، الأسكندرية وغيرها [4].))
تأسست تيشيت سنة 536هـ على القول الأكثر تداولا - فيما اطلعنا عليه من المراجع - على يد الشريف عبد المؤمن بن صالح[5] وقد كانت هذه المدينة العريقة مركز علم من أول يوم أسست فيه فقد كان مؤسسها سفيرا من سفراء العلم والدين، أخذ عن القاضي عياض السبتي ( ت 544هـ 1149م بمراكش وحمل علمه إلى بلاد شنقيط فأسس هذه الحاضرة العريقة والتحق به زميله الحاج عثمان أحد مؤسسي "وادان" وهما مدفونان بجانب المسجد العتيق[6] وعن هذين الرجلين ( انتشر العلم واتسع نطاقه قرونا عديدة في القريتين، وكان قبل ذلك قاصرا على علوم الشرع دون آلاتها ومتمماتها )[7] وأنجبت تيشيت خلال القرون الماضية الكثير من العلماء[8] وتقف مكتباتها اليوم شاهدة على ما عرفته من إشعاع ثقافي جعلها اليوم تحتضن أهم مخزون ثقافي في البلاد كلها, إذ يقدر عدد المخطوطات فيها بستة آلاف مخطوط يرجع بعضها إلى القرن السادس الهجري، ( وهي اليوم إحدى المدن الشواهد التي شاخت وما تزال حية تغالب عاديات الزمن وعوامل الاندثار[9]) .

2 – مدينة وادان : -

تقع "وادان" في الشمال من العاصمة انواكشوط على مسافة (600كلم ) تقريبا في ولاية آدرار الحالية وتبعد من عاصمة الولاية " أطار " حوالي (170كلم ) وعن مدينة شنقيط التاريخية 100كلم .
تأسست " وادان " ( على العلم والمعرفة في يوم عرفة سنة 536هـ وهي توأم لمدينة تيشيت وقد أرسى قواعدها عدد من العلماء الذين حجوا البيت الحرام وتلقوا العلم خارج بلدهم .. وكانوا ثلاثة في البداية : الحاج عثمان الأنصاري تلميذ القاضي عياض السبتي وزميل الشريف عبد المؤمن والحاج يعقوب القرشي والحاج علي الصنهاجي والتحق بهم بعد التأسيس عبد الرحمن الصائم .. [10] عرفت هذه المدينة كسابقتها ازدهارا كبيرا طيلة أربعة قرون بعد تأسيسها فكانت محطة لنقل الملح من "كدية الجل"، كما تمر عليها بعض الطرق الصحراوية فتصدر إلى الشمال المواشي والمصنوعات الجلدية والذهب والتوابل والعاج والأخشاب وريش النعام وبعض الحبوب وإلى الجنوب الملح والتمور والأقمشة والفرش والمصنوعات المعدنية[11] قيل إن هذه المدينة سميت " ودان " لوظيفتها المزدوجة بين العلم والتجارة إذ معنى "وادان" واديان واد من النخيل وواد من العلم ، ومما يروى من القصص حول اهتمام أهل هذه المدينة بالعلم أنه كانت في وقت من الأوقات توجد بها أربعون دارا متتالية بكل منها عالم، ويستدل أهلها المعاصرون على ذلك بوجود شارع يسمى شارع العلماء مازال يحمل هذا الاسم منذ القدم إلى اليوم.
كان طلبة العلم يشدون الرحال من المدن الصحراوية الأخرى إلى وادان لينهلوا من معين أهلها ثم يكونون أساتذة في أهليهم إذا رجعوا إليهم[12] وتدل على ذلك الأسانيد العلمية التي يمر كثير منها بعلماء وادان .
ما تزال في هذه المدينة مكتبات تضم نفائس الكتب والمخطوطات من بينها أقدم تأليف موريتاني محفوظ وهو مواهب الجليل في شرح مختصر خليل[13] إذا ما استثنينا كتاب الإشارة في تدبير الإمارة للإمام الحضرمي الذي يحتمل أن يكون قد ألفه قبل أن يقدم إلى هذه البلاد .

3 – مدينة ولاتة : -

تقع على بعد 1200كلم شرقي العاصمة "انواكشوط" في ولاية الحوض الشرقي وتبعد من عاصمة الولاية "النعمة " حوالي 90 كلم ، تختلف الروايات حول تاريخ تأسيس هذه المدينة لكن الإجماع منعقد على أنها شهدت في القرون الوسطى حركة تجارية وعلمية كبيرة وكانت محطة مهمة من محطات القوافل العابرة للصحراء ، زارها ابن بطوطة سنة 752هـ 1352م وسماها " إيولاتن " وتحدث عنها باعتبارها مركز إشعاع ثقافي فوصف أهلها بأنهم محافظون على الصلوات وعلم الفقه وعلم القرآن وتحدث عنها ابن خلدون وسماها "ولاتكن" وتحدث عنها السعدي وسماها " بيرو" وقال عنها ( كانت ولاتة أول ملاذ لعلماء "تيمبكتو" ووريثتها على الصعيد المعرفي وظلت تقوم بدور ريادي في الانتشار العمودي والأفقي للمعارف ...).
عرفت مدينة "ولاتة " ازدهارا ثقافيا كبيرا واستقبلت مدارسها على مر الأزمان أفواج الطلبة من كافة أنحاء المنطقة([14]) كما استقبلت وفودا من علماء "تيمبكتو" عندما تعرضت هذه الأخيرة لحكم السلطان " سيني علي " السنغاوي الجائر سنة 873هـ حيث استقر هؤلاء العلماء في ولاتة وجعلوها دارا لهم فزادها ذلك تألقا وعطاء([15]).

4 – مدينة شنقيط :

تقع مدينة شنقيط في ولاية آدرار وتبعد 525كم تقريبا من العاصمة نواكشوط وتبعد من عاصمة الولاية " أطار" 90 كلم وعن مدينة وادان التاريخية 100كلم ، تأسست مدينة شنقيط سنة 660هـ / 1262م على أنقاض مدينة " آبير " التي توجد أطلالها اليوم على بعد 3كلم إلى الشمال الشرقي من شنقيط وتعيد الروايات التاريخية تأسيس آبير إلى 160هـ / 777م .
عرفت شنقيط ازدهارا تجاريا كبيرا ، إذ تقول بعض الروايات أنه قد وصل عدد إحدى القوافل التجارية الخارجة منها 32 ألف بعير مما يعكس أهميتها حينئذ كميناء للتجارة الصحراوية.
أما دور شنقيط الثقافي والديني فقد بدأ مع بنائها وتعزز كثيرا عند ما جعلها حجاج المنطقة منطلقا لهم حيث كانوا يتجمعون من كافة بلاد الصحراء ثم ينطلقون من "شنقيط" فاكتسبت بذلك سمعة كبيرة وخاصة في بلاد المشرق والبلاد التي تمر بها قوافل الحجيج حيث أطلقوا اسم المدينة على أجزاء كبيرة من الصحراء وتألق هذا الاسم في القرنين الماضيين بفعل ما حظى به العلماء الشناقطة من مكانة بسبب تمكنهم من العلوم الشرعية واللغوية وتميزهم بالحفظ وقد تعزز هذا لدور أكثر بعد نزوح القبائل الحسانية وتعرب المنطقة تعربا لا رجعة فيه .



--------------------------------------
الهوامش
--------------------------------------

[1] - محمدالمختار السعد: عوائق البحث في التاريخ الموريتاني بحث قيم معد للنشر، قدم لندوة اتحاد المؤرخين العرب حول إعادة كتابة التاريخ العربي المنعقدة في بغداد من 27 إلى 30 دجنبر 1987م ونشر في مجلة الوسيط العدد 2/1987م الصادرة عن المعهد الموريتاني للبحث العلمي، ص 8.
[2] - جد شرفاء "تيشيت" ومؤسس المدينة، ورغم تواتر المراجع على ذكره فإننا لم نحصل له بعد على ترجمة سوى أنه من تلاميذ القاضي عياض و أنه جاء من المغرب وبنى مدينة"تيشيت".
[3] - هؤلاء الثلاثة تقول الروايات المتداولة أنهم اجتمعوا من مدن مختلفة وذهبوا إلى الحج، وعندما رجعوا من البلاد المقدسة بنوا مدينة وادان " واستقروا بها فعلّموا بها العلم.
[4] - اسلم بن محمد الهادي موريتانيا عبر العصور، ص 167 (م س ).
[5] - المختار بن حامد: حياة موريتانيا ج 2، ص 198 ( م س ).
[6] - النحوي: - المنارة والرباط ص 69 ( م س ).
[7] - ابن حامد: حياة موريتانيا ج 2 ، ص 6 ( م س ).
[8] - مثل الحاج الحسن بن أغمدي الزيدي وأبناء فاضل الشريف وأحمد الصغير المسلمي وأبناء انبوجة وغيرهم كثير.
[9] - الخليل النحوي: المنارة والرباط ص 71 ( م س ).
[10] - الخليل النحوي: المنارة والرباط ص 71 ( م س ).
[11] - اسلم بن محمد الهادي: موريتانيا عبر العصور ص 98 ( م س ).
[12] - تخرج منها سيد عبد الله بن محمد والطالب محمد بن الأعمش وسيد أحمد بولوتاد التيشيتي...
[13] - لمحمد بن أبي بكر الواداني الذي كان حيا سنة 933هـ.
[14] - ابن حامد : حياة موريتانيا... ج 2، ص 211 وما بعدها.
[15] - ابن حامد : حياة موريتانيا... ج 2، ص 211 وما بعدها.

mushahed
09-14-2010, 11:40 AM
شكرا أستاذنا محمد فاضل على متابعة هذه السلسة المهمة

قراءة ممتعة لتاريخ شنقيط بأسلوب ميسر يمكن غير المؤرخ من معرفة حقائق تاريخية نادرة

العنوان رائع والمعلومة موثقة حسب الأصلول الأكاديمية

تقبل تحياتي

الفتى المدلل
09-14-2010, 01:03 PM
أخي الحبيب محمد فاضل ولد أحمدو

تقبل الله منك هذا الجهد الجميل الجبار المبارك
والله جميل هذا التسلسل السهل الميسر الجميل في تاريخ شنقيط

جزاك الله خيرا .. استفدنا كثيرا منك أيها الحبيب حفظك الرحمن

محمد فاضل بن أحمدو
09-14-2010, 08:45 PM
جزاك الله خيرا يافتانا النبيل على مرورك وتشجيعك
وتقبل الله إضافاتك المفيدة التي تثري بها "المشاهد" على الدوام