مشاهدة النسخة كاملة : العلاقات التركية الأمريكية: لا عودة إلى الوراء


أبو فاطمة
09-12-2010, 07:07 AM
العلاقات التركية الأمريكية: لا عودة إلى الوراء

محمد نور الدين


كلت زيارة رئيس الأركان الأمريكي مايكل مولين إلى أنقرة لمدة يومين، محطة لافتة في العلاقات التركية الأمريكية .

كثيرون توقعوا بعد انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفييتي أن تنتفي أهمية تركيا للغرب وللولايات المتحدة تحديداً، بعدما اختفى العدو الاستراتيجي . وذهب البعض إلى توقع أن يتفكك حلف شمال الأطلسي خصوصاً بعدما حاولت دول الاتحاد الأوروبي إقامة قوة دفاعية عسكرية خاصة بها سارعت الولايات المتحدة إلى وأدها قبل تبلورها، لأنها كانت تريد الإبقاء على صيغة حلف شمال الطلسي للإمساك برقبة الأوروبيين .

وكان لتركيا دور مميز ومصيري في مواجهة الغرب للكتلة الشيوعية .

ومع أن واشنطن نجحت في اختراع العدو البديل وهو الإسلام، وجاءت أحداث 11 أيلول/ سبتمبر لتعطي زخماً لهذا الخطر الوهمي، فإن الواقع، أن حاجة أمريكا إلى تركيا المسلمة استمرت في اتجاهات أخرى، منها حاجة أمريكا إلى تركيا لملء الفراغ في آسيا الوسطى والقوقاز، حيث كتلة كبيرة من الشعوب ذات الثقافة المشتركة مع تركيا .

ومنها أن تركيا ممر إجباري لنقل الطاقة من نفط وغاز طبيعي من حوض قزوين وأذربيجان تحديداً، إلى الغرب في إطار عزل الممرات الروسية وإضعاف روسيا .

وبقيت تركيا حاجة أمريكية -”إسرائيلية” للضغط على سوريا، تركيا من الشمال و”إسرائيل” من الجنوب . وكانت تركيا أيضاً متجاوبة مع هذا التحالف بسبب مشكلة حزب العمال الكردستاني واتهام سوريا بدعمها له .

لم تبدأ الغيوم بالتلبد في سماء العلاقات التركية -الأمريكية إلا مع حدثين أساسيين:
الأول احتلال أمريكا للعراق، إذ لم تصغ الإدارة الأمريكية المتطرفة بقيادة جورج دبليو بوش إلى هواجس تركيا وهي الشريكة معها في حلف شمال الأطلسي، وهي الجارة المباشرة للعراق التي تدرك حساسيات الوضع في العراق وفي الشرق الأوسط أكثر من واشنطن .

رفضت تركيا المشاركة في غزو العراق علّ الإدارة الأمريكية تتراجع عن خططها للغزو، فلم يحصل ذلك وجاء الأمريكيون واحتلوا العراق وأشعلوا نيران الفتنة السنية الشيعية، وأخطر من ذلك بالنسبة إلى تركيا قسموا العراق إلى دويلتين عربية وكردية . وهذا كان يعدّ خطاً أحمر بالنسبة إلى الأتراك قبل أن يتموضع الأتراك ويعيدوا انتشار رؤيتهم في اتجاه القبول بالأمر الواقع والاعتراف الضمني بإقليم كردستان .

أما الحدث الثاني الذي أفضى إلى توتر العلاقات التركية الأمريكية فهو انتهاج تركيا سياسة جديدة في علاقاتها مع محيطاتها من البلقان وأوروبا إلى القوقاز وآسيا الوسطى ومن البحر الأسود إلى الشرق الأوسط .



كان التحول التركي الأساسي في الموقف من القضية الفلسطينية، حيث أظهرت تركيا مواقف مبدئية وإنسانية غير مسبوقة تجاه مظلومية الشعب الفلسطيني ولا سيما في غزة . ورفع رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان الصوت عالياً وذهب إلى ما لم يذهب إليه أحد عندما واجه وجهاً لوجه رئيس الكيان “الإسرائيلي” شمعون بيريز في دافوس ولقّنه درساً في العدالة والحق والإنسانية .

كان من الطبيعي أن ينظر الغرب إلى السياسة التركية الجديدة على أنها”انحراف” عن الخط التقليدي الذي التزمته تركيا وهو التحالف مع “إسرائيل” والغرب ومعاداة محيطاتها كلها .

تركيا في الواقع لم تقطع علاقاتها مع الغرب ولا مع الولايات المتحدة ولا مع “إسرائيل” .

كل ما أرادت تركيا أن تقوله هو إنها تريد علاقات جيدة مع الجميع، مع أمريكا وأوروبا و”إسرائيل”، ولكن أيضاً مع روسيا واليونان وسوريا وإيران والعراق وكل المحيط غير الغربي لتركيا .

وهذا بالضبط ما لم تقبله واشنطن التي لم تكن تريد يوماً شركاء أو حلفاء بل تابعين ومرتهنين وعبيداً .

أثبتت تركيا نجاعة سياستها، فنهض اقتصادها ونزعت فتائل التوتر مع معظم جيرانها، وتحولت من بلد محاط بالأعداء إلى بلد محاط بالأصدقاء .

وبقدر ما فككت تركيا خلافاتها مع جيرانها أسقطت من يد “إسرائيل” وأمريكا ورقة ابتزازها بحجة وجود هذه الخلافات .

وبقدر ما كانت صورة تركيا تكبر وتزداد الثقة بها، كان دور “إسرائيل” يتراجع . وعلى هذا كان العدوان على “أسطول الحرية” وقتل تسعة مدنيين أتراك على متن سفينة مرمرة، عدواناً لتأديب تركيا على سياستها الاستقلالية والمتوازنة، كانوا يريدون لها العودة إلى بيت الطاعة الأمريكي -”الإسرائيلي” .

لن تعود العلاقات التركية الأمريكية إلى سابق عهدها أبداً، والأتراك لن يخطئوا مرة ثانية ويرهنوا مستقبل بلادهم بيد حفنة من العنصريين الغربيين المتحالفين مع سفاحي “إسرائيل” .

نقلا عن دار الخليج