مشاهدة النسخة كاملة : ما بين مفاوضي رام الله و"متمردي" كابول


أبوسمية
09-11-2010, 11:45 AM
ما بين مفاوضي رام الله و"متمردي" كابول

ياسر سعد




حذر الجنرال ديفيد بترايوس قائد القوات الامريكية في افغانستان من أن خطة أحد القساوسة في ولاية فلوريدا لحرق نسخ من القرآن في ذكرى هجمات سبتمبر قد تؤدي إلى تقويض جهود الولايات المتحدة في افغانستان وتسفر عن هجمات انتقامية ضد قواتها العاملة هناك. تصريحات بترايوس جاءت في بيان له عقب تظاهرات غاضبة شهدتها كابول احتجاجا على خطة كنيسة في جاينيسفيل- فلوريدا لإحراق نسخ من القرآن. من جانبه قال الجنرال وليام كالدويل قائد بعثة تدريب قوات الناتو في أفغانستان إن أنباء مخطط حرق القرآن تثير بالفعل مشاعر الغضب الشعبي في أفغانستان، وأضاف "نحن نشعر بشدة بان هذا قد يعرض للخطر سلامة رجالنا ونسائنا الذين يخدمون هنا".

تصريحات بترايوس تذكرنا ببيان أدلى به يوم 17 مارس الماضي أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ الأميركي، أوضح فيه أن عدم إحراز تقدم كافٍ نحو سلام شامل في الشرق الأوسط واستمرار الأعمال العدائية بين إسرائيل وبعض جيرانها يشكلان تحديات واضحة لقدرة القوات الأميركية المسلحة على إحراز تقدم بشأن مصالحها في المنطقة. وقال بترايوس "إن الصراع يؤجج مشاعر مناهضة للأميركيين نظرا لوجود تصور عن تحيز أميركي لإسرائيل".

ما الذي يمكن استنتاجه من التصريحات والمواقف الأمريكية؟ لقد أصبحت أحداث أفغانستان المشتعلة عاملا مهما في صياغة وصناعة القرار الأمريكي. فأفغانستان الدولة الفقيرة والممزقة يحسب لها في موزايين القوة العالمية المهيمنة دوليا الحساب، فيما عواصم عربية كبرى لا تشكل إي إعتبار ولا تدخل في الحسابات الأمريكية إلا من حيث تلقي الأوامر والنواهي.

الدول العربية والإسلامية الكبرى في مجملها، المصالح الاقتصادية الضخمة وصفقات الأسلحة الأسطورية، علماء المسلمين كل ذلك وأكثر لا يلفت انتباه مسؤول أمريكي صغير ولا كبير في مسألة حرق القرآن ولا في دعم الجرائم الصهيونية، ولا يثير قلقا سياسيا غربيا يتجاوز الأدب في التصريحات حول الحجاب أو النقاب، ولا يدفع بحكومة أوربية أو ببرلمانيها لسن قوانين تحد من هذا الشطط المتصاعد في الإساءة للإسلام ولحرماته ومقدساته. غير أن غضب الشعب الأفغاني يثير قلق الغرب وعواصمه بل وقيادة حلف الناتو بكل صلفها وجبروتها، فحين عرض فيلم فتنة المسيء للإسلام والذي أنتجه النائب اليميني المتطرف الهولندي جيرت فيلدرز عبر الحلف وقتها عن قلقه من أن الفيلم قد يتسبب في تفاقم الوضع الأمني للقوات الأجنبية في أفغانستان ومن بينها القوات الهولندية.

تصريحات وتحذيرات بترايوس جاءت بعد أيام من إطلاق المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية المباشرة وبشكل مهين للطرف الفلسطيني, فبعد تمنع إعلامي وإعلان رفض استئناف تلك المفاوضات من جانب حكومة عباس، جاء إعلان هيلاري كلينتون عن موعدها بشكل لم يقم وزنا ولا اعتبارا للطرف الفلسطيني. وحتى تزداد صورة الامتهان بؤسا أعلن نتيناهو أن اعتراف الجانب الفلسطيني بيهودية الدولة العبرية يشكل شرطا لنجاح تلك المفاوضات. وما لبث وزير الخارجية الإسرائيلي ليبرمان أن أكمل مسلسل الإهانات والاستخفاف بسلطة عباس بتصريحات استبعد فيها التوصل إلى اتفاق سلام شامل مع الفلسطينيين خلال العام القادم، أو حتى الجيل القادم.

ما هي الأعذار والمبررات والتي تدفع بالسلطة الفلسطينية للرضوخ للضغوط الأمريكية وابتلاع هذا الكم الهائل من الإذلال والإهانات الأمريكية والإسرائيلية؟ حكومة رام الله تسرب بأن واشنطن تهدد بوقف مساعداتها المالية، أما المثير للسخرية فهو في تهديدات عباس بالاستقالة وتحذير رجاله من انهيار السلطة. بمعنى آخر تدرك قيادة عباس أن وجودها مصلحة كبرى للاحتلال –من خلال العبث بالثوابت وقمع المقاومة وتعميق الانقسام الوطني وإفساد الذمم والضمائر-.

واشنطن والتي تفر من العراق بعد فشل ذريع والغارقة حتى النخاع في المستنقع الأفغاني أعجز من أن تضغط على طرف فلسطيني يملك إرادة وكرامة وقرار في قضية فلسطين ومقدساتها والتي تعرف تماما أنها قد تحرك وتهيج مشاعر ملايين المسلمين في أفغانستان وفي غيرها. أما أولئك الغارقون في أوحال الفساد والصفقات والعمولات فهم أعجز من أن يقولوا لا، وأضعف أن تنتصب لهم قامة أو يرفع لهم رأس.

نقلا عن المركز الفلسطيني