مشاهدة النسخة كاملة : إن الله لا يأمر بالحرب


ابو نسيبة
09-10-2010, 10:03 PM
إن الله لا يأمر بالحرب
أحمد يعقوب الموري

قبل فترة وجيزة سألني أحد الطلاب في انفعال واستنكار، ونحن نتحدث عن الجهاد ووجوبه وأحكامه: هل يجب على تركيا أن تعلن الجهاد على إسرائيل بعد هجومها المنكر على أسطول الحرية الذي مزجت فيه دماء العرب والأتراك البريئة بمياه البحر الأبيض المتوسط الدولية، وبعد أن فعلت كل ما فعلت في أرض فلسطين ومائها وسمائها من تقتيل وتشريد وتدمير.. وكان جوابي ـ وأنا واثق مؤمن بما أقول ـ أن الجهاد وإن كان من أوجب الأعمال وأفضلها وأعلاها مقاما عند الله فإنه لا يعني بالضرورة إعلان الحرب في كل وقت وعلى كل حال وضد كل أحد. فأنا والسائل وكل مسلم ومسلمة نومن بأن الجهاد ذروة سنام الإسلام، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكني في الوقت نفسه أومن، وآمل أن يؤمن معي الآخرون، بأن إعلان الحرب قرار سياسي عسكري سيادي اجتهادي، يرجع البت فيه إلى كل أمة ولكل دولة مجتمعة مع غيرها أو على حدة حسبما تقتضيه الضرورة والحاجة والمصلحة. فلو اجتمعت القيادة السياسية والعسكرية التركية أو غيرها وأعلنت الحرب على إسرائيل لكنت أول المؤيدين والمشجعين والمباركين والمناصرين، ولم لم تفعل ذلك فإني لن أكون لها من العائبين ولا من المنتقدين سياسيا ولا من المفسقين ولا من المكفرين دينيا.

وهذا السائل وهذا السؤال ما هما إلا نموذجان تظهر فيهما قمة جبل هائل من الخلط الخطير بين التصرفات البشرية الاجتهادية المتغيرة، وبين الأحكام الشرعية الواجبة الثابتة التي لا تتغير ولا تتبدل. بدأت جذور هذا الاضطراب في الماضي البعيد وانتشرت أغصانه في شرق الأمة المسلمة وغربها وما زالت تكتوي بنارها إلى اليوم، وكان من أخطر آثاره أن تشابه على البعض، كما تشابه البقر على بني إسرائيل، الجهاد (بمعنى القتال) كفريضة شرعية عامة باقية خالدة، وإعلان الحرب كقرار إدراري محض يرجع الحسم إلى الأمة أو من ينوب عنها ممن خولته ورضيته وكيلا عنها وزكاه الشرع الحنيف. وقد تأملت في ذلك التشوه الفكري فوجدته راجعا إلى أسباب أربعة:

1
إن الفكر الإسلامي نام دهرا طويلا في فترات الانحطاط التي لم تنقض بعد، وبدأ في النهوض فوجد نفسه أمام مجموعة من الثنائيات المتقابلة المتناقضة تحاصر العقل. وهنا رأى الجميع ـ وبدون استثناءـ أنفسهم مضطرين للتفكير من داخل هذه الثنائيات وفي إطارها، لدرجة استحال معها عليهم الخروج من بينها فكيها بسلام: الدنيا والآخرة، والسلف والخلف، والأصالة والمعاصرة... والثنائية التي حكمت باب الجهاد وأربكت العلماء والمجتهدين في العصر الحديث هي ثنائية: الدفاع والهجوم؛ فنجد من العلماء وغيرهم من أوجب جهاد الهجوم في كل عصر من العصور، وأعلن الحرب قبل أن يعرف العدو، ودافع عن ذلك بما أوتي وما لم يؤت من قوة، واستدل له بالنصوص المرغبة في الجهاد من القرآن والسنة، وهي كثيرة جدا. وهناك من رد الجهاد عموما أو جهاد الهجوم على الأقل بداعي تغير الأحوال وتقلب الظروف وتبدل الأزمان واحتمال النصوص الشرعية. وكلا الفريقين ـ مع اختلافهم ـ متفقين على التسليم بهذه الثنائية، وكلاهما أو أحدهما يتمنى الخروج من إلزاماتها لكن دون أن يستطيع.

2
ومن الناس من أدخل حكم الشرع أو حاول أن يدخله في كل شيء، وطلب الفتوى وحكم الشرع في كل تصرف، مع الإصرار على أن يكون الجواب عن كل سؤال بـ"واجب" أو "حرام" وإذا لم يجد المستفتي ما يرضي هواه المفرط أو المفرَط بحث عن مفت آخر يوافق ذلك الهوى أو يبالغ فيه. وهؤلاء وأمثالهم يريدون أن يكون كل قرار إداري أو سياسي مثل إغلاق مكبرات الصوت في المساجد وفتحها، والحرب والسلم، والعلاقة والقطيعة مع بلد ما وحتى مع شخص ما داخلة في دائرة الوجوب أو الحرمة أو الكراهة أو الندوب دون الإباحة أو الإذن. وكأن هذه الفئة تجاهلت أو جهلت منطقة العفو الواسعة ودائرة تقدير المصالح والمفاسد الأوسع، وهما أمران تركهما الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لخيرة المكلف وتقديره للظروف والأحوال في كل عصر وفي كل مصر. وهذا الانحراف من أقدم وأخطر الانحرافات التي عرفتها الأمة المسلمة، وقد أدى إلى خلط الديني بالدنيوي والعادي بالعبادي والأصلح بالواجب وغيره بالحرام؛ فما افترقت الأمة إلا عندما اعتقد طرفان فيها أن خلافة أبي بكر جاءت بالنص، ولم تكن كذلك، وأن خلافة علي رضي الله عنهما جاءت بالنصوص ولم تكن أيضا كذلك. وهذا الخلاف ما زال يجر أذياله على كثير من العقول والأفعال حتى اليوم، وتسبب في شيوع التكفير والتفسيق والتبديع؛ فنجد من يوجب شرعا الحرب على فلان وقطيعة علان، وفي مقابله يقف من يوجب موالاته والوقوف معه واتباع أقواله وأفعاله، وهناك من يوجب التصويت في الانتخابات لفلان، ويفرض شرعا محاربة خصمه الآخر والوقوف في وجهه ابتغاء مرضات الله، وهناك من يوجب الحرب على هذه الدولة أو الأمة بأمر الله، وآخر يوجب السلم شرعا مع هذه الدولة وتلك الأمة دون مناقشة أو خيار، وهكذا دواليك.. ولا مخرج من هذا التناقض إلا بأن يعرف الفريقان أن كثيرا مما يختلفون فيه مختلف في صلاحه وأصلحيته، وملاءمته وعدم ملاءمته وخطئه وصوابه، ولا علاقة له بالواجب ولا بالحرام ولا بالأحكام الشرعية من قريب أو بعيد.

3
أما ثالثة وأهم أثافي هذا التناقض والانحراف الفكري فهي المزج المخل بين الحكم أو الشيء المأمور به أو المنهي عنه شرعا، وبين تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم وغيره من الصحابة والتابعين والعلماء والخلفاء بوصفهم مجتهدين منفذين باحثين عن المصلحة والصواب لا مشرعين ولا مفتين ولا مجتهدين. وهذا التفريق هو الذي بنى عليه القرافي كتابه الفريد من نوعه "الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام" وقبله وبسببه جعل الإمام مالك ـ رحمه الله ـ أغلب أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم القيادية وأوامره العسكرية تصرفات بالإمامة لا أحكاما تشريعية، وذلك مثل توزيع الغنائم وتقدير الجزية وإعطاء الأمان وغيرها من الأحكام.

4
وقد اختلط على كثيرين آخرين والتبس عليهم وتشابه أمر بعض الآيات القرآنية المحرضة على القتال المرغبة فيه المحذرة من القعود عن نصرة الله ورسوله والدفاع عن أمته، ولم يفهموها حق فهمها أو فهموها على غير ما أنزلت عليه. فهذه الآيات وأمثالها من الأحاديث لم تنزل ولم ترد لتشريع القتال ولا لإعلان الحرب ولم يعمل بها رسول الله صلى الله على أنها كذلك ولم يفهمها صحابته كما فهمها بعض المعاصرين الذين يستدلون على قتال الكفار والمشركين بآية مثل: "اقتلوهم حيث ثقفتموهم" مع أنها ليست إلا تحريضا على القتال وتشجيعا على بذل النفس والبسالة في محاربة الأعداء، لكن ليس في كل وقت وعلى كل حال، بل بعد أن تجتمع الأمة وتقرر خوض الحرب ضد دولة أو مجموعة أو عدو محدد.

ومن يتأمل سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ويقرأ عن سراياه وغزواته وجهاد أصحابه من بعده يجد هذا الفرق، بين آيات التشريع وآيات التحريض، واضحا في سنته صلى الله عليه وسلم، جليا عند أصحابه رضي الله عنهم أجمعين، وإلا فلماذا كان صلى الله عليه يستشير صحابته أو بعضهم على الأقل في إعلان الحرب قبل خوض الحرب إذا كانت معلنة أصلا بنص القرآن؟! ولما ذا صح السلم والمعاهدة بين المسلمين وأعدائهم باتفاق الجميع إذا كان القرآن قد أعلن الحرب الأبدية المقدسة؟!. وقد ثبت أنه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ استشار أصحابه قبل خوض معركة بدر، وهي حرب يمكن أن تصنف على أنها هجومية، كما استشارهم في الخروج لمعركة أحد التي يمكن أن تصنف على أنها دفاعية، مما يدل على أن قرار الحرب لم تكن له علاقة لا بدفاع ولا بهجوم، وإنما مرده إلى اجتهاد القائد وأهل شوراه وأصحاب الكفاءة والفاعلية في الميدان، بناء على تقدير المصالح والمفاسد لا بناء على توجيه الأمر والنهي الشرعيين.

وقد سار صلى الله عليه وسلم إلى بدر ومن بعدها إلى أحد متبعا آراء أهل الشورى بعد الشورى مباشرة، مما يدل على أن قرار الحرب اتخذ في ذلك الاجتماع لا قبله ولا بعده، كما يدل أيضا على أن خوض الحرب وإعلانها اجتهاد بشري صدر منه صلى الله عليه وسلم بوصفه قائدا ومنهم بوصفهم مقودين، لا على أنه حكم شرعي واجب الاتباع محرم المخالفة، ولذا لو افترضنا جدلا أن الصحابة رأوا عدم الذهاب إلى بدر أو عدم الخروج إلى أحد لما كان في ذلك مخالفة شرعية ولا دينية بأي حال من الأحوال، كما أنهم لو اختاروا عليا رضي الله عنه خليفة قبل أبي بكر الصديق لما كان في الأمر عصيان ولا منكر، ولغيرنا ترتيب الخلفاء على الفور.

ولعل أهم ما يتعلق به من يقتل ومن يدعو إلى القتال دون وعي وفهم، ومن يوجب إعلان الحرب بحكم الشرع على كل الأعداء وعلى من لم يعلن الحرب عليهم من أصدقاء، هي تلكم المقولة القديمة الحديثة التي تقول: "لو هجم الأعداء على شبر من أرض المسلمين وجب الجهاد عينا على كل مسلم ومسلمة، وخرجت المرأة بدون إذن زوجها والولد دون إذن أبيه والعبد دون إذن سيده". ولمرددي هذه المقولة الفقهية دون وعي أقول إن قياس أراضي الدول بالأشبار والأمتار، وحماية الحمى وترسيم الحدود بينها، لم تعرف إلا في عصور متأخرة، ولم يكن صلى الله عليه وسلم يعتبر الأعداء أعداء إلا إذا هددوا المصالح المباشرة للمسلمين في أرواحهم أو في أبدانهم أو في أرزاقهم. وإذا نحن سلمنا هذه المقولة فعلينا أن ننزلها منزلها كما أنزلنا آيات التحريض على القتال منزلها، أي بعد أن تجتمع الأمة وقادتها وأهل الحل والعقد فيها وتعلن الحرب على عدو غاز وجب على كل مستطيع الخروج لنصرة الأمة وأداء الواجب، ومن ثم يكون وجوب الجهاد في حالة الهجوم على الأمة راجعا إلى السبب الثاني الذي جعلوه سببا لتحول الجهاد من فرض كفاية إلى فرض عين وهو استنفار الإمام أو من ينوب عنه. ولا أرى أن فقيها ولا عالما ولا عاقلا يقول بما يقول به البعض ويقوم به البعض الآخر؛ بأن يجتمع بنفسه أو بأهله أو بصديقه ويعلن الحرب المفتوحة الشاملة المقدسة على كل دول العالم مرة واحدة، أو على أكثرها قوة وتقدما في كل المجالات وهو لا يملك قوت يومه.

إن كل الأحبار التي سالت حول وجوب القتل أو القتال دفعا أو طلبا، والنقاشات والخلافات التي ضيعت الأوقات وأرهقت كاهل الأمة، والدماء البريئة التي أريقت في غير محلها بسبب سوء فهم النص وعدم استيعاب الواقع، لن تتوقف إلا إذا خرجنا من دائرة الثنائيات التي تحاصر الفكر وتكبل العقل، وفهمنا الشرع كما فهمه الصحابة والتابعون دون تأثيرات أو تشويهات طارئة، وفرقنا بين الحكم الشرعي الذي مرده إلى الله ورسوله، وبين المصلحة الواقعية التي يدركها الإنسان وترك الشرع تقديرها لٍلإنسان. وأخيرا أرى أن نوجه البحث إلى حقيقة وشروط وضوابط من يحق له إعلان الحرب نيابة عن الأمة أولا وقبل وكل شيء، لأن في معرفته وتبيينه إيقافا للجدال وحسما للخلاف، وتمييزا واضحا بين الحرب المشروعة والحرب غير المشروعة، والحرب الصائبة والحرب المخطئة.


نقلا عن الأخبار