مشاهدة النسخة كاملة : فقه الأولويات


همام
08-27-2010, 11:33 AM
فقه الأولويات

حينما يقال (فقه الأولويات) قد يتبادر إلى الذهن أنه فقه معروف، بل قد يعتبره البعض بديهياً في حقيقته، وقد يظن البعض أن قضايا هذا النوع من الفقه أو الفكر على طرف التمام، أو هي شيء قريب المنال، لكنَّه إذا ما جاء لاقتناص ما ظنَّه قريباً رآه بعيداً يتفلت من بين يديه، ويتسرب في ثنايا (التعارض) أو (التساوي) و(التماثل) أو(التعادل) أو نحوها من الأمور الأصولية الدقيقة التي قد تحتاج إلى النطاسي المجرب لكي يتمكن من وضع اليد على شوارده أو الإمساك بأوابده.
هوية الموضوع
إلى الفقه ينتمي هذا الموضوع أم إلى الفكر؟ وهل هو جدير بأن يكون علماً أو فناً من فنون العلم؟ بدايةً لابد من تحديد هوية الموضوع وتعيين مجال انتمائه من بين مجالات المعرفة قبل الولوج في تفاصيله.
ملاحظات هامة
1- لقد حفل فقهنا الموروث بعبارات كثيرة يمكن أن تساعد على توجيه البحث في هوية الموضوع وجهة فقهية، ومنها قولهم: (خلاف الأولى)، وخلاف الأولى يطلق: على ما دون مرتبة المكروه، فإذا كان المكروه ما يستحسن تركه ولا يعاقب على فعله، أو ما يستحب تركه، أو ما يمدح تاركه ولا يذم فاعله، فإن خلاف الأولى في مرتبة أدنى من المكروه وفوق المباح بقليل، فهو مما لم يرد فيه نهي مقصود، وإذا كان للفقيه أن يستحسن فله كذلك أن يعتبر فعل كل ما لم يظهر لديه دليل على المنع لكن هناك احتمالاً وارداً مهما كان ضعيفاً بأنه قد يترتب عليه شيء ما خلاف الأولى.
وأحياناً يُشير الفقهاء إلى أن فعل كذا أولى من فعل سواه، أو أن ترك كذا أولى، فالمصطلح ـ إذن ـ مستعمل لديهم شائع بينهم في إطار الإيجاب وفي دائرة السلب، فإذا لوحظ هذا العنوان ولوحظ معه ما عرف بأبواب التعارض والترجيح، وتعادل الإمارات، فإن ذلك قد يرجح نسبة الموضوع إلى (الفقه) بمعناه الاصطلاحي وهو: (معرفة الأحكام العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية) أو نحو ذلك.
أما التعارض فمأخوذ من العرض وهو الناحية والجهة فكأن المتعارضين يقف كل منهما في عرض الآخر ليمنعه من النفاذ إلى حيث وجه، ولذلك فإن علاج التعارض إنما يتم بالترجيح الذي يقوم على دراسة كل من المتعارضين دراسة فاحصة تتناول سائر الجوانب المتعلقة بالمتعارضين وذلك بقصد اكتشاف أي جانب من جوانب التفاوت بينهما لاستعماله في الترجيح، فهناك عمليات ذهنية كثيرة معقدة تجري في مراجعة كل من هذين الأمرين اللذين ظن تعارضهما وذلك لاكتشاف نقاط التفاوت واستعمالها في عملية الترجيح التي كثيراً ما تؤول إلى خلاصة أو نتيجة مفادها هذا: الدليل مقدم في العمل بذاك، أو هو أولى منه، وهنا أن تجتمع علوم ومعارف متعددة لكي تساعد الباحث على اكتشاف نقاط التفاوت بين الاثنين.
وأما في حالة (التعادل أو التساوي) بين الدليلين تساوياً يجعل المجتهد عاجزاً عن الترجيح حيث لا يكتشف أي جانب من جوانب التفاوت يساعد على القيام بعملية الترجيح فإن الأمر يصبح مشكلاً قد يؤدي إلى إسقاط الدليلين معاً، أو تكرار الاجتهاد مرة بعد مرة حتى تكتشف جوانب التفاوت أو يعمل بكل من الدليلين مرة، أو غير ذلك من أمور بسطها الأصوليون وتكلم فيها الفقهاء وهذه ـ كلها ـ أمور لا تتعلق بالمصدر المنشئ للأحكام وهو القرآن، ولا بالمصدر المبيِّن له على سبيل الإلزام وهو السنة، فهما منزَّهان عن ذلك كله، ولكنها أمور تتعلق بفهم المجتهد النسبي، ومستويات إدراكه.
2- قد يقال: إن هذا البحث (فقه الأولويات) بحث عقليّ. فالعقل هو الذي يحكم بتقديم رأي أو فعل أو تصرف على آخر حيث إنه لا تُتصور إشكالية البحث عن (الأولى) إلا في دوائر لا يحسمها أو لا يحسم فيها إلاّ مرجعية العقل، فمرجعية العقل هي التي تؤكد أو تنفي أولوية شيء على آخر من خلال دراسة عقلية واعية للمرجحات الموجودة في الأمور المتقابلة المعروضة.
3- وقد يقال: إنه أمر فكري نظري محض يتوقف على ترتيب مقدمات فكرية يتم من خلال تلك المقدمات وفي سياقها الوصول إلى النتائج التي تجعلنا ندرك أن هذا الشيء أولى من ذاك في وقت معين أو في مكان معين أو من شخص معين.
وكل هذه الجوانب جديرة بالملاحظة وإذا لوحظت كلها فإن الأولى أن ينسب هذا الموضوع برمته إلى (الفقه الأكبر) فالفقه الأكبر هو ذلك الفقه الذي وردت الإشارة إليه في الحديث المعروف المتداول: (من يُرد به خيراً يفقهه في الدين ويلهمه رشده).
توقفت مشاركتهم الحقيقية في مؤسسة (أولي الأمر) صاروا يمارسون الفقه والاجتهاد وجوانب التنظير كلها ولكن في المسجد، وخارج الدائرة التنفيذية فالحكم والسلطة التنفيذيَّة والفقه والاجتهاد حلقات يستقل بعضها عن بعض، ولكنهم كانوا يحاولون جهدهم أن يسددوا مسيرة الحكام، ويرشدوا ويؤدوا دور الناصح والحسيب والرقيب والمعارضة الراشدة المنفصلة عن جسم الدولة ولم يخل ذلك من احتكاك بين الفريقين تحول في كثير من الفترات إلى التصادم وإلى صراع، ومدرسة محمد بن الحنفية وما تولد عنها، وكذلك مدرسة زيد بن علي وثورات الحسين وذو النفس الزكية وابن الاشعث وغيرهم، كل هذه المدارس وتلك الثورات تولدت عنها حركات معارضة، كانت لها آثارها في تاريخنا، والأئمة الأربعة المعروفون لدى الأمة، والذين لا يزال الناس يتمذهبون بمذاهبهم ويتدينون بفقههم لم يكونوا بعيدين عن ذلك الصراع، ولذلك كانت إلى جانب مؤسسة الحكم في تاريخنا (مؤسسة العلماء) وكان التأثير في حياتنا وتاريخنا تأثيراً مشوباً مختلطاً تبرز فيه يد السلطان وسيفه ودواة الفقيه واجتهاداته.
فإن مدخل تحديد (الأولويات) في عصرنا هذا قد استعمل من قبل قوى الشر والضغط على الأمم الضعيفة كأخطر المداخل وأشدها فتكاً. فالنظام العالمي المعاصر والمنظمات الدولية المنبثقة عنه والدائرة في فلكه قد استخدمت مدخل (الأولويات) كأخطر سلاح في هذا العصر وأفتكه، بل لقد حقق هذا المدخل لتلك القوى من الإنجازات ما عجزت عن تحقيق مثله الجيوش والأسلحة الفتاكة، فكم من شعب أقنع بالحق أو بالباطل بأن أولويَّته التصنيع، فترك الزراعة، وأهمل الأرض، واتًّجه نحو التصنيع أو التجميع فإذا به بعد فترة من الزمن يجد نفسه عالة على الآخرين يتكففهم لقمة العيش، وكم من أمة أقنعت بأن أولويَّتها أن تزرع محصولاً معيّناً فاتجهت وراء وسوسة من سوَّل لها ذلك فوجدت نفسها بعد فترة على حافة هلكة من المجاعة والفقر، ونظرة إلى البلدان الإسلامية كفيلة بإقناعنا بما يحدث.

طه جابر العلواني
مقاصد الشريعة